الخبر:نحو سياسات اقتصادية وطنية لتعزيز الصمود الفلسطيني والتحرر الوطني
(الأقسام: أراء و مقالات مختارة)
أرسلت بواسطة Administrator
الجمعة 31 مايو 2019 - 08:25:16

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.
مقدمة
تعدّ التبعيةُ الاقتصادية لدولة الاحتلال الإسرائيلي التحديَ الأساسي للوصول إلى اقتصاد فلسطيني مستقل ومقاوم، إذ تظهر ملامح التبعية لهذا النظام الاقتصادي ابتداءً من قطاع التجارة الخارجية، مرورًا باستخدام العملة والمصارف الإسرائيلية، والالتزام بالنظام الجمركي الإسرائيلي، والاعتماد على الخدمات العامة الأساسية، كالكهرباء والمياه والاتصالات والوقود، وليس انتهاءً بسوق العمل.
جاء بروتوكول باريس الاقتصادي (الملحق الاقتصادي لاتفاق أوسلو) في العام 1994 ليكرس حالة التبعية الاقتصادية عن طريق ربط الاقتصاد الفلسطيني مع الاقتصاد الإسرائيلي بنظام جمركي واحد ، إلا أن "السياسة الاقتصادية الحمائية" لدولة الاحتلال وضعت جميع الواردات والصادرات الفلسطينية تحت السيطرة الكاملة لها، وأعاقت نشاط المشاریع الفلسطينية لتجنب المنافسة مع نظرائها، وقد اعتبر هذا الوضع بمنزلة اتحاد جمركي غير مكتمل يؤدي إلى عقبات تجارية كبرى للاقتصاد الفلسطيني.
كما اتبعت سلطات الاحتلال سياسات تستهدف التحكم بالاقتصاد الفلسطيني وعزله، من خلال التحكم في المعابر، ووضع قيود على حركة الأفراد والبضائع، ومنع السلطة الفلسطينية من استيراد السلع من الدول العربية والإسلامية بدعوى عدم وجود علاقات ديبلوماسية معها، بالإضافة إلى أن دولة الاحتلال لم تعترف بأي اتفاقيات اقتصادية تبرمها السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية مع الدول الأخرى، بالرغم من أن السلطة والمنظمة تتمتعان بحرية التفاوض وإبرام الاتفاقيات التجارية مع دول أخرى طالما تُطبق سياسة الاستيراد الإسرائيلية، وذلك وفقًا لما جاء في بروتوكول باريس.
أما بالنسبة إلى المسائل المالية والنقدية، فلم تلتزم دولة الاحتلال بتوفير الشيكل للبنوك العاملة في قطاع غزة بعد العام 2007، وفرضت إجراءات وتعقيدات مشددة على نقل الأموال من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، إضافة إلى اشتراط إصدار العملة الفلسطينية بموافقة اللجنة الاقتصادية المشتركة (JEC)[8] التي لم تجتمع إلا مرات محددة منذ توقيع بروتوكول باريس.
ومن جانب آخر، وضعت دولة الاحتلال العديد من القيود على الصادرات الزراعية الفلسطينية، وأعاقت إدخال المنتجات الفلسطينية إلى السوق الإسرائيلية، إما بذرائع أمنية أو فنية، بينما سهلت عملة إدخال المنتجات الإسرائيلية إلى الأسواق الفلسطينية بشكل حر دون قيود. وتُخضِع سلطات الاحتلال المنتجات الفلسطينية للتفتيش الشديد والانتظار على الحواجز قبل إدخالها، مما يعرضها للتلف قبل الوصول إلى الأسواق الإسرائيلية. كما تقوم باستيراد المنتجات الزراعية دون أي اعتبار لمصالح المنتجين الفلسطينيين مما يلحق بهم أضرار جسيمة، وتغرق الأسواق الفلسطينية بالمنتجات المستوردة من قبلهم إضافة إلى ذلك، تمنع عبور الحيوانات المستوردة من قبل المستوردين الفلسطينيين للحجر في المناطق الفلسطينية، وتصر على حجرها في "الكرنتينا" الإسرائيلية، مما يكبد المستوردين الفلسطينيين مصاريف ورسوم مضاعفة تجبرهم على اللجوء إلى استيرادها من الأسواق الإسرائيلية، وكل هذه الإجراءات مخالفة لما جاء في ببروتوكول باريس.
كما نظم بروتوكول باريس حركة العمالة ما بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، وتحديدًا حركة العمالة الفلسطينية، حيث تحكمت دولة الاحتلال بمنسوب تدفقها إلى إسرائيل بما يخدم مصالحها الاقتصادية واعتباراتها الأمنية، ولم تكتف بذلك، بل تدخلت وتحكمت في طبيعة المشاريع الممولة من الدول المانحة للفلسطينيين.
يتضح مما سبق أن دولة الاحتلال الإسرائيلي اتبعت إستراتيجية إلحاق للاقتصاد الفلسطيني باقتصادها، ومنع تطويره وتعميق تبعيته لها، بهدف ضرب صمود الشعب الفلسطيني، وحرمانه من أهم مقومات استقلاله الوطني، وذلك عن طريق السياسات والإجراءات العقابية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة. فالعلاقة بين الطرفين هنا ليست علاقة استعمارية بشكلها الكلاسيكي، القائمة على سلب ونهب خيرات البلاد المستعمرة، بل أفظع وأكثر تعقيدًا من ذلك، لاستخدامها وسائل وأدوات لجعل الاقتصاد الفلسطيني ملحقًا ومكملًا وخادمًا للاقتصاد الإسرائيلي. وهي علاقة قائمة على خلق حقائق جديدة – بالأمر الواقع - لانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني.
ساهم اتفاق باريس الاقتصادي في مأسسة حالة التبعية وخلق اقتصاد فلسطيني مشوّه، ومعتمد على المساعدات الخارجية، مما أضعف من قدرة السلطة الفلسطينية على صياغة سياسات اقتصادية تنموية مستقلة وملائمة للمرحلة الحالية.
المشكلة
اتبعت دولة الاحتلال الإسرائيلي سياسيات اقتصادية تستهدف إبقاء الاقتصاد الفلسطيني تابعًا لها، وأدت هذه السياسات إلى خلق تشوهات متأصلة في الاقتصاد الفلسطيني، واستمرت هذه السياسات بعد توقيع بروتوكول باريس، الذي جاء ليعمق التشوهات الهيكلية في الاقتصاد الفلسطيني المتراكمة، وتحويله إلى سوق استهلاكي للمنتجات والخدمات الإسرائيلية، ومصدرًا للأيدي العاملة الرخيصة، ولكن بمبررات جديدة وهي "المتطلبات والضرورات الأمنية".
لم يمنح بروتوكول باريس السلطة الفلسطينية سوى صلاحيات محدودة جدًا، مما أفقدها السيادة على الموارد الفلسطينية، وأضعف قدرتها على صياغة سياسات اقتصادية تنموية وطنية، وأوصل الاقتصاد إلى درجة كبيرة من التبعية والاعتماد على دولة الاحتلال والمساعدات الدولية.
وساهمت البيئة السياسية غير المستقرة في إبعاد السلطة عن مصادر النمو الاقتصادي والموارد الطبيعية اللازمة لنجاح التنمية الاقتصادية. كما أدت ممارسات الاحتلال إلى التأثير سلبًا على تطور الاقتصاد الفلسطيني، وتعميق حدة التشوهات في الهياكل التنظيمية المحددة للأداء الاقتصادي، سواء على صعيد سوق السلع والخدمات، أو سوق العمل.
ويضاف إلى ما سبق، تباطؤ السلطة في استكمال إجراءات الانضمام إلى الاتفاقات التجارية والوكالات الدولية، وتحديدًا منظمة التجارة العالمية، والاستفادة من حصولها على الامتيازات الممنوحة لأعضائها للتحرر التدريجي من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، فضلًا عن غياب الرؤية الاقتصادية الإستراتيجية الفلسطينية التي بموجبها يتم التعامل مع المجتمع الدولي، مما حال دون إنشاء اتفاقات تجارية تفضيلية مع دول الجوار العربي، أو دول صديقة على أساس ثنائي أو إقليمي.
الأهداف
تهدف هذه الورقة بشكل أساسي إلى طرح آليات وبدائل سياساتية تتلاءم مع الوضع الفلسطيني الحالي المتأزم، بهدف تعزيز مقومات الصمود الوطني، والتحرر الواعي والتدريجي من الاتكالية والتبعية للاقتصاد الإسرائيلي التي يكرسها بروتوكول باريس الاقتصادي.
البدائل المقترحة
البديل الأول: بلورة إستراتيجية وطنية للتحرر من بروتوكول باريس الاقتصادي، بهدف بناء اقتصاد صمود وطني مقاوم يتسم بالشفافية، ومتحرر من الارتهان والتبعية لاقتصاد دولة الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عبر الخطوات الآتية:
أولًا: وضع قانون لحماية السلع المحلية، وتحسين جودتها، وخفض أسعارها، وذلك للحد من استيراد السلع التي لها بديل محلي، وتحديدًا المستوردة من دولة الاحتلال، لما له من تأثير سلبي على الاقتصاد الفلسطيني.
ثانيًا: تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، عن طريق طرح جملة من التسهيلات والحوافز للمستثمرين، فزيادة حجم الاستثمارات سينتج عنه زيادة في إنتاج السلع القادرة على المنافسة محليًا ودوليًا، وسيساهم في دوران العجلة الاقتصادية الفلسطينية.
ثالثًا: تحديد الأدوار والمسؤوليات لكل من القطاع العام والخاص، من أجل خلق حالة من الانسجام والتعاون تقوم على المصلحة المشتركة في بناء اقتصاد تنموي مستقل وداعم لصمود الشعب.
رابعًا: إعادة توجيه مساعدات الدول المانحة من عمليات الإغاثة والخدمات إلى عمليات التنمية، ومن دعم الموازنة الجارية إلى الموازنة التطويرية، ووضعها في الإطار التنموي للاقتصاد الفلسطيني.
خامسًا: تبني وتفعيل حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، من خلال وضع خطة واضحة ومعلنة مع جدول زمني من قبل المؤسسات الفلسطينية الرسمية لتنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الداعمة لحركة المقاطعة[13]، مع تصحيح الدور المناط بالمكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، وإصدار القائمة السوداء للشركات العاملة في المستوطنات الإسرائيلية، وتكثيف الحملات المناصرة لأهداف حركة المقاطعة، وتوسيع قاعدتها الشعبية عربيًا ودوليًا.
محاكمة البديل الأول:
المقبولية: يحظى هذا البديل بمقبولية عالية من جميع الأطراف الفلسطينية، سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وذلك لما سيحققه من إنجازات على جميع المستويات.
المعقولية: البديل قابل للتطبيق، لكن فعاليته مرهونة بشكل كبير بمدى توفر القناعة والإرادة السياسية لدى القيادة الفلسطينية، وجديتها في عملية الإصلاح وتحمل الضغوطات الإقليمية والدولية التي ستمارس عليها لوقف التدهور الحاصل في النظام الاقتصادي الفلسطيني.
المنفعة: إعادة بناء نظام اقتصادي فلسطيني تنموي قوي قادر على المنافسة الخارجية، والعمل على عزل ومقاطعة دولة الاحتلال، وإظهار حقيقتها أمام الرأي العام الدولي باعتبارها دولة احتلال استعماري، ووضعه أمام مسؤولياتها بموجب القانون الدولي، فضلًا عن التخلص التدريجي من التبعية الاقتصادية لها.
الخسائر: قد يقود تطبيق هذا البديل إلى فرض إجراءات عقابية على السلطة الفلسطينية من قبل دولة الاحتلال، وتشديد الحصار عليها، وقد تلجأ بعض الجهات المانحة إلى تقليص أو وقف المساعدات التي تقدمها للسلطة. أما داخليًا فقد يحدث تصادم مع بعض المتنفذين في المنظمة والسلطة والأحزاب الفلسطينية الذين لهم مصلحة في بقاء الوضع على ما هو عليه.
البديل الثاني: إعادة هيكلية الاقتصاد الفلسطيني بشكل يتلاءم مع محددات مرحلة التحرر الوطني، مع التركيز على قطاعي الزراعة والصناعة، وذلك لبناء اقتصاد فلسطيني مقاوم وداعم للصمود الفلسطيني والتحرر التدريجي من الارتهان والتبعية الاقتصادية الإسرائيلية. ويتضمن ذلك اتخاذ الإجراءات الآتية:
أولًا: بلورة إستراتيجية اقتصادية خاصة بالقطاع الزراعي قائمة على أساس التحرر التدريجي من الهيمنة الإسرائيلية، وبناء دعائم أساسية لاقتصاد فلسطيني مقاوم للمخططات الداعية لتصفية المشروع الوطني الفلسطيني، ويتطلب ذلك التركيز على:
تشجيع الجهاز المصرفي الفلسطيني على زيادة حجم الائتمان الخاص بالقطاع الزراعي.
تشجيع الاستثمار والتمويل الخارجي لقطاع الزراعة، عن طريق إقرار تشريعات وأنظمة تأمين تكفل حماية المستثمرين، ومنح الإعفاءات الضريبية على هذا القطاع، وذلك لتجاوز العديد من العراقيل التي تفرضها دولة الاحتلال على القطاع الزراعي.
زيادة حصة القطاع الزراعي في الموازنة العامة، ومن المساعدات المقدمة من الدول المانحة، وذلك لأن القطاع الزراعي له الدور الأكبر في تحقيق نظام اقتصادي تنموي مقاوم.
تشكيل أطر مؤسسية وقانونية لتقديم الخدمات الزراعية، كالإرشاد الزراعي ونقل التكنولوجيا ومكافحة الأمراض التي تصيب المحاصيل وخدمة ما بعد الحصاد، لضمان الجودة والتمويل، ولإرشاد العاملين في القطاع الزراعي بكيفية الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية الزراعية، وذلك لتحقيق درجة عالية من الإنتاجية والربحية والاستدامة.
تعويض العاملين بالقطاع الزراعي عن الأضرار التي تلحق بهم جراء الإجراءات الإسرائيلية، كاقتلاع الأشجار والإغلاقات ورداءة الأسمدة التي تقدم لهم.
إعداد برامج متخصصة لتحسين الأراضي الزراعية واستصلاحها، على مستوى قطاع غزة والضفة الغربية، لترويج المنتجات الزراعية الفلسطينية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.
الشروع في تعديل القوانين والتشريعات الفلسطينية المتعلقة بالقطاع الزراعي بشكل يتوافق مع الاتفاقيات الإقليمية والدولية، كي يسهل عملية التوقيع وطلب الانضمام لتلك الاتفاقيات، وذلك لما لها من نتائج إيجابية على القطاع الزراعي.
إنشاء مصرف خاص بالتنمية الزراعية، هدفه تنموي غير ربحي، من أجل تقديم التمويل وخدمات التأمين للمزارعين، ولضمان الاستثمار في الهياكل الأساسية الخاصة بالقطاع الزراعي.
العمل مع المنظمات الدولية، وتحديدًا منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو)، للضغط على دولة الاحتلال، لعدم إعاقة المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وإلى المياه والأسواق.
ثانيًا: بلورة إستراتيجية اقتصادية خاصة بالقطاع الصناعي قائمة على أساس التحرر التدريجي من الهيمنة الإسرائيلية، وبناء دعائم أساسية لاقتصاد فلسطيني مقاوم للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي، ويتطلب ذلك التركيز على:
إعادة هيكلية القطاع الصناعي، وتطوير الصناعات التحويلية التي تتمتع بارتباطات متشعبة بين فروع القطاع الصناعي وقطاعات الاقتصاد المختلفة ذات الطابع التصديري في الأجل الطويل.
دعم وتشجيع وتسهيل الاستثمار في القطاعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة، لقدرتها على التكيف مع المرحلة الحالية بعدم حاجتها إلى استثمارات كبيرة.
إصدار وتعديل القوانين والتشريعات الاقتصادية اللازمة لتنظيم وضبط عملية تنمية ودعم القطاعات الصناعية في ظل المرحلة الحالية.
توفير المواد الأولية والمستلزمات الأساسية للقطاعات الصناعية.
ضبط عملية الاستيراد عبر الحد من استيراد المواد الخام غير الضرورية للقطاعات الصناعية.
إقامة المدن والمناطق الصناعية، وتوفير الخدمات الأساسية لها، وذلك لتوفير وتهيئة بيئة تنموية مناسبة وملائمة للإنتاج الصناعي.
العمل على تحسين جودة المنتجات الصناعية المحلية، لتكون قادرة على المنافسة خارجيًا، عن طريق استخدام مقاييس الجودة العالمية للمنتجات المعمول بها في العديد من الدول الصناعية.
تشكيل أطر مؤسسية لتقديم الخدمات الصناعية للمرحلة الحالية، لضمان الجودة في الإنتاج، وترشيد الاستفادة من الموارد المحلية، وخاصة المواد الخام، لتعجيل عملية التراكم لتمويل التنمية، وتحقيق أكبر قدر من الربحية.
إنشاء هيئة خاصة بالتنمية الصناعية، هدفها تنموي غير ربحي، وذلك لربط الإنتاج الوطني بالأسواق المحلية، والتخلص من استيراد الكثير من السلع الصناعية الإسرائيلية، مما يساهم في التخلص من التبعية الاقتصادية وزيادة قدرة الصناعة الوطنية على تحقيق النمو الذاتي.
محاكمة البديل الثاني
المقبولية: يحظى هذا البديل بقبول كبير بين أوساط المجتمع الفلسطيني، لانسجامه مع متطلبات إنعاش الاقتصاد الفلسطيني المقاوم.
المعقولية: البديل قابل للتطبيق، ولكنه يحتاج إلى قرار من قيادة وطنية واعية لمتطلبات المرحلة الحالية، ومطلعة على جميع المخططات التي تحاك ضد المشروع الوطني، وقادرة على تحمل جميع الضغوطات لبناء اقتصاد تنموي قادر على الصمود.
المنفعة: يساهم تطبيق هذا البديل في عملية التحرر التدريجي من الهيمنة الاقتصادية لدولة الاحتلال والدول المانحة، ووضع اللبنات الأولى لاقتصاد فلسطيني تنموي مقاوم.
الخسائر: قد يترتب على تطبيق هذا البديل فرض إجراءات عقابية من قبل دولة الاحتلال، مثل حجز أموال المقاصة وعدم تسليمها للسلطة الفلسطينية، إلى جانب احتمال تقليص حجم المساعدات المقدمة من الدول المانحة.
البديل الثالث: استكمال الإجراءات والشروط المطلوبة من دولة فلسطين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية بصفة "عضو مراقب"[14]، بالاستفادة من حصولها على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (67/19) الذي منحها صفة الدولة المراقب، ليتسنى لها الاستفادة من حقوق وامتيازات الانضمام، والاندماج في المجتمع التجاري الدولي، وإنشاء اتفاقات تجارية تفضيلية مع الدول المجاورة، أو مع دول صديقة أخرى، على أساس ثنائي أو إقليمي، وذلك للتحرر التدريجي من التبعية الاقتصادية الإسرائيلية.
محاكمة البديل الثالث:
المشروعية: يتيح الملحق الثاني (المتعلق بقواعد الإجراءات الخاصة بالنظام الأساس لمنظمة التجارة العالمية) لدولة فلسطين الحصول على صفة العضو المراقب في منظمة التجارة، وذلك بعد تقديم وصف لسياساتها الاقتصادية والتجارية الحالية، وأي إصلاحات مستقبلية في هذه السياسات.
المقبولية: يحظى هذا البديل بقبول من بعض السياسيين والاقتصاديين والقانونيين، وذلك بناء على العديد من الدراسات العلمية التي أجريت لإبراز الإيجابيات والسلبيات الناتجة عن انضمام فلسطين للمنظمة كإقليم جمركي.
المعقولية: البديل قابل للتطبيق، ولكن تطبيقه عملية صعبة ومعقدة قد تستغرق وقتًا وجهدًا طويلًا، ويتطلب إرادة سياسية فلسطينية للخوض في هذه العملية، لأن القرارات في المجلس العام للمنظمة تتخذ بتوافق الآراءوليس بالتصويت، وبالتالي أصبح التصويت هو الاستثناء وصنع القرارات بتوافق الآراء هو القاعدة. وبالرغم من ذلك، توجد سابقة للانضمام على أساس التصويت (حالة الإكوادور) ، ويمكن الاستفادة منها.
المنفعة: يقود تطبيق هذا البديل إلى مشاركة فلسطين في صياغة قواعد القانون الدولي التجاري عن طريق تحالفاتها، والاستفادة من المساعدات الفنية والتقنية اللازمة للتنمية الاقتصادية، والتخفيضات الجمركية والتسهيلات التجارية التي تطبقها الدول الأعضاء بينها، ويفتح مجالًا أوسع أمام استثماراتها وتجارتها في الأسواق الدولية، ويرفع مستويات التعاون التجاري والاقتصادي مع جميع الدول
الأعضاء، كما يمكنها من اللجوء إلى جهاز تسوية المنازعات التجارية والاقتصادية في حال نشوب نزاع بينها وبين دولة عضو.
من المتوقع أن تعمل دولة الاحتلال، بصفتها عضوًا في المنظمة منذ العام 1962، على منع انضمام فلسطين للمنظمة، ولكن مساعيها ستبوء بالفشل، إذا ما اتبعت القواعد المتعلقة باتخاذ القرارات، بل قد يساهم ذلك في كشف حقيقة سياساتها التي تتعارض مع سياسات المنظمة، المؤيدة لتوسيع النادي التجاري، حتى في الظروف الصعبة أو الحساسة من الناحية السياسية.
الخسائر: قد يقود تطبيق هذا البديل إلى إلزام دولة فلسطين بأن تتنازل عن قدر من حريتها في سن قوانينها وتشريعاتها التجارية، وأن تقوم بتعديل نظامها التجاري والتشريعي، بما في ذلك قوانينها ولوائحها وإجراءاتها الإدارية، كي تتوافق مع اتفاقيات المنظمة. وقد تلجأ دولة الاحتلال وحلفاؤها إلى فرض العديد من العقوبات على السلطة، دون وضع أدنى اعتبار لقواعد القانون الدولي.
البديل الرابع: عقد اتفاقية اقتصادية عامة بين دولة فلسطين والدول المؤيدة والداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني مجتمعة، تحت عنوان "دعم مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني"، مع منح الاقتصاد الفلسطيني معاملة تفضيلية خاصة، تعزز من إمكانية استقلاله عن الاقتصاد الإسرائيلي، وإنشاء صندوق لتنفيذ ودعم تلك الاتفاقية العامة.
محاكمة البديل الرابع:
المقبولية: يحظى هذا البديل بقبول رسمي وشعبي كبير، وذلك لتنشيط ودعم النظام الاقتصادي الفلسطيني.
المعقولية: البديل قابل للتطبيق، لكن فعاليته مرهونة بمدى قبول واستفادة الدول الأطراف في الاتفاقية الاقتصادية المشار إليها، وأيضًا بمستوى ممانعة دولة الاحتلال الإسرائيلي.
المنفعة: دعم الاقتصاد الفلسطيني، ووضع اللبنات الأساسية لاقتصاد مقاوم وداعم للمشروع الوطني بعيدًا عن التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.
الخسائر: قد يقود تطبيق هذا البديل إلى فرض دولة الاحتلال إجراءات عقابية على السلطة، وتنصلها من كافة مسؤولياتها الملقاة عليها بموجب قواعد القانون الدولي.
المفاضلة بين البدائل المقترحة
تطرح الورقة مجموعة من البدائل، التي لكل منها ميزاته وتأثيره على بناء اقتصاد فلسطيني داعم لمقومات الصمود ومتحرر تدريجيًا من التبعية الاقتصادية الإسرائيلية، ويمكن المفاضلة بينها لجهة أكثرها واقعية وأقربها تطبيقًا في ظل الوضع السياسي الحالي، فيعد البديلان الأول (بلورة إستراتيجية وطنية للتحرر من اتفاق باريس)، والثاني (إعادة هيكلية الاقتصاد الفلسطيني)، الأكثر واقعية والأقرب تطبيقًا، ويجب تطبيقهما بشكل متوازٍ، لما لهما من دور في تحديد المسار الصحيح لنظام اقتصادي فلسطيني مستقل قادر على تعزيز مقومات الصمود والتحرر من التبعية الاقتصادية للاحتلال.
أما البديل الرابع (عقد اتفاقية اقتصادية عامة، أساسها التجارة الحرة) فيأتي تطبيقه في المرحلة التالية، باعتباره مسارًا مكملًا للوصول إلى الغاية المنشودة من هذه الورقة، وهو يحتاج إلى جهد ديبلوماسي مع حلفاء القضية الفلسطينية والداعمين لها.
أما البديل الثالث (انضمام دولة فلسطين لمنظمة التجارة العالمية)، فهو أقل واقعية في التطبيق، لأن تقديم طلب الانضمام يعتمد على شروط وإجراءات قانونية، كما أن قبول الانضمام يتطلب موافقة سياسية من الدول الأطراف فيها، وبالتالي يحتاج إلى جهود ديبلوماسية وسياسية كبيرة قد تستغرق وقتًا طويلًا في ظل موازين القوى الدولية الراهنة.



قام بإرسال الخبرشبكة الاخبار الفلسطينية
( http://pn-news.com/news.php?extend.11343 )