آخر الأخبار :

الأحلام المبتورة في غزة.. نزيهة وصهيب .. محاولات تكيف مع الأطراف المبتورة

على أعتاب أرض عائلتها الزراعية شرق خانيونس، جنوب قطاع غزة، تقف المواطنة الفلسطينية نزيهة عليان قديح (38 عاما) على ساق واحدة، مستندة إلى جهاز الوكر المساعد، تتأمل المكان الذي طالما عملت فيه لسنوات وباتت محرومة منه بعد إصابتها برصاص الاحتلال الإسرائيلي.

هنا كنت أعمل وأمضي الكثير من الساعات في زراعة الأرض وتعشيبها وترتيبها .. تتحدث المواطنة قديح لطاقم المركز وتلتمع عيناها حنينا لتلك الأيام، فالأمر لم يكن مجرد ترف أو تمضية وقت، بل كان عملا تساعد فيه أسرتها على أعباء الحياة.

رصاصة أطلقها قناص إسرائيلي أدت إلى بتر ساقها، خلال مشاركتها ضمن تظاهرات العودة وكسر الحصار، شرق منطقة سكناها بدلت حياة نزيهة وغيرت نظام حياتها بالكامل، وهو الأمر الذي لا تزال تقاوم لتحاول التأقلم معه.

تغرورق عيناها بالدموع وهي تستذكر ما حدث "لحظات الإصابة لا تنسى" .. تغمض عيناها وهي تعود إلى شريط الذكرى الأليمة "كان ذلك صباح يوم الاثنين الموافق 14/5/2018، وصلت إلى مخيم العودة الذي أقيم شرق بلدة عبسان الجديدة، توجهت للمكان لوحدي مشياً على الأقدام، وكان معي أربع زجاجات ماء بهدف توزيعها على المتظاهرين كما اعتدت أن أفعل كل جمعة في مخيم العودة شرق خزاعة".

وأضافت "تقدمت وسط المتظاهرين، وبدأت أوزع عليهم الماء، وكنت أعود لأملأ الزجاجات من المخيم، وأعود لتوزيعها، وشاهدت العديد من الإصابات تقع وكذلك بعض الشهداء، كانت الأمور صعبة".

المكان الذي تواجدت فيه نزيهة، كان يشهد تظاهرات للمرة الأولى منذ انطلاق مسيرات العودة في 30 مارس 2018، وفيه قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 14 فلسطينياً من أصل 16 قتلوا ذلك اليوم شرق خانيونس، فضلا عن إصابة العشرات، وفق توثيق المركز.

تظاهرات هذا اليوم جاءت ضمن ما عرف "بمليونية العودة "في ذكرى النكبة الفلسطينية وهو اليوم الذي يحي فيه الفلسطينيون ذكرى تهجير مئات الآلاف عن قراهم في منتصف مايو 1948.

عند الساعة الخامسة مساءً من مساء ذلك اليوم، توجهت نزيهة قديح عبر ما يعرف بشارع "جكر" المحاذي للشريط الحدودي مع إسرائيل باتجاه مخيم العودة في خزاعة، وهو الموقع المركزي للتظاهرات.. كان معظم المتظاهرين قد غادر منطقة التظاهر في عبسان الجديدة بسبب العدد الكبير من القتلى والإصابات التي وقعت في المنطقة.

تقول: "عندما وصلت إلى مخيم العودة في خزاعة بعد حوالي 15 دقيقة، شاهدت أعدادا قليلة من المتظاهرين، تقدمت حوالي 20 مترًا عن شارع جكر باتجاه الشريط الحدودي شمال المخيم، وشاهدت امرأة وطفلين على مقربة من الشريط المذكور، وخلال ذلك شاهدت أحد الجنود داخل الشريط يشهر سلاحه باتجاه المكان الذي أقف فيه، فالتفت لأبتعد عن المكان.. لحظة وشعرت بضربة قوية أصابت رجلي اليمنى ووقعت على الأرض".

تتحسس بيديها طرف ساقها اليمنى المبتورة، وتغمض عينيها وهي تتذكر تلك اللحظات "شاهدت ساقي منثنية تحت رجلي الأخرى، وفي حالة تهتك شديد، كنت أشعر بألم شديد جدًا، قدم نحوي مجموعة مواطنين ومسعفين نقلوني عبر سيارة إسعاف باتجاه النقطة الطبية في المخيم، وهناك عملوا على وقف نزيف الدم، ثم نقلوني إلى المستشفى الأوروبي".

خلال نقلها غابت نزيهة عن الوعي، وعندما أفاقت في اليوم التالي وجدت نفسها في قسم جراحة الحريم في المستشفى، ولكنها كانت بلا ساق .. ساقها اليمنى بترت من أسفل الركبة؛ لأنها كانت مصابة بعيار ناري متفجر أدى إلى تهشم العظام وتهتك كبير بالساق استدعى البتر.

بعد أكثر من 6 أشهر من الإصابة والبتر، تتجرع نزيهة الألم، وهي تحاول التكيف مع واقعها الجديد، إذ ليس سهلا عليها وهي التي كانت شعلة البيت ومحور العمل فيه أن تصبح هكذا عاجزة عن العطاء كما اعتادت.

تمتزج الآلام والأحلام في ملامح وجهها، وهي تتذكر كيف كانت تعمل في أرضهم الزراعية وكذلك في أراضي المزارعين الآخرين في مواسم القطاف، لتساعد عائلتها على المعيشة.

نزيهة تعيش وحيدة مع والديها المسنين، ولها ثلاث شقيقات متزوجات، وعملها كان يمثل مصدر دخل مهم للعائلة التي تعتمد على مخصص ابنها الذي قتله الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح لبلدتهم عبسان الكبيرة عام 2004.

الشقيق الوحيد المتبقي لنزيهة، صهيب (32 عاما)، بترت ساقه اليمنى هو الآخر ولكن من أعلى الركبة، بعد إصابته برصاص الاحتلال الإسرائيلي في أول جمعة لمسيرة العودة وكسر الحصار، وهو يعيش في الطابق الثاني من منزل العائلة مع زوجته وأطفاله الخمسة.

تنظر إلى شريكها في الألم والبتر شقيقها صهيب وتقول: "الحمد لله على كل حال، كنا أنا وأخي نعمل ونساعد الأسرة، أخي متزوج ولديه 5 أطفال .. واليوم كما ترانا بتنا غير قادرين على العمل، نأمل أن نستطيع لاحقا ونجد من يساعدنا على ذلك".

عندما أصيب صهيب، كان يحاول إنقاذ فتاة مصابة برصاص الاحتلال شرق خانيونس، يقول لطاقم المركز: "بمجرد اقترابي منها شعرت أن ضربة أصابتني في رجلي اليمنى وسقطت بجوار الفتاة، ونظرت فإذا بدماء تنزف من رجلي".

تبين أن صهيب أصبت بعيار ناري متفجر في رجله اليمنى وتناثرت شظاياه لتصيب رجله اليسرى، وبعد ظهر يوم السبت الموافق 7/4/2018، ونتيجة تأثيرات الإصابة من العيار الناري المتفجر، وما تسبب به من التهابات وإصابات الشرايين، ونزيف، قرر الأطباء إجراء عملية بتر لساقه اليمنى من أعلى الركبة.
في رحلة التكيف مع واقعها الجديد، تحاول نزيهة أن تقوم ببعض المهام والمسؤوليات التي اعتادت عليها، مثل تنظيف البيت وإعداد الطعام لأسرتها، ولكنها لا تستطيع الاحتمال فألم الإصابة يجبرها على الجلوس والتوقف.

ورغم المعنويات العالية التي تتدفق بين الحين والآخر عبر كلماتها، إلا أنها لا تخفي ألمها وعجزها عن التكيف مع ما أصابها. "أحيانا لا أستطيع النوم بت كثيرة النسيان يكون المفتاح في يدي وأبحث عنه أضطر لكنس البيت وأنا أحبو على الأرض"، تقول نزيهة

لا تبدو نزيهة نادمة على مشاركتها في التظاهرات، إذ شاركت هي وشقيقها عدة مرات بعد إصابتهما، "أنا لم أحمل سلاحا، كل ما كنت أعمله سقاية المتظاهرين بالماء لا يوجد مبرر لاستهدافي ولا لاستهداف باقي المتظاهرين السلميين".

عبر إحدى الجمعيات، بدأت نزيهة خلال الأيام الماضية التحضير لتركيب طرف صناعي لساقها؛ جربته لكنه آلامها وتسبب بجرح الطرف المبتور. "يحتاج إلى تدريب وترتيب أكثر"، تقول نزيهة أما شقيقها فينتظر هو الآخر فرصة أخرى لتركيب طرف صناعي لأن طبيعة إصابته تسببت بتفاقم البتر، ما يعيق تركيب الطرف في ظل الإمكانات المتوفرة بغزة.

الستينية فاطمة النجار والدة نزيهة وصهيب، تتجرع مجددًا الأحزان والألم، في السابق فقدت ابنها البكر وهو في العشرين من عمره، واليوم تشاهد معاناة ابنيها اللذين يعيشان معها في البيت، وهما المعيلين الوحيدين للأسرة، ولسان حالها يقول لماذا وإلى متى سنبقى نعاني؟ أليس من حقنا أن نعيش كباقي العالم.







نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news9754.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.