آخر الأخبار :

تقدير موقف أبعاد بناء الجدار العازل حول قطاع غزة وخيارات المقاومة

مقدمة
بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة العام 2014، أثير جدل واسع في الأوساط الأمنية الإسرائيلية حول سبل مواجهة خطر الأنفاق الهجومية في القطاع، وتفادي إخفاقات "الجيش" خلال العدوان، و"قررت وزارة الأمن الإسرائيلية بناء جدار عازل تحت الأرض ويمتد فوق سطح الأرض، "كحل نهائي للأنفاق الهجومية" في غزة، ورصد أفيغدور ليبرمان، وزير الحرب، ميزانية تقدر بنحو 3.2 مليار شيكل لبناء الجدار".[1]
ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية في أيلول 2016، أن غادي آيزنكوت، رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال، وسامي ترجمان، قائد المنطقة الجنوبية في الجيش، أعلنا أن مشروع الجدار الذي يقيمه الجيش على حدود غزة، هو الأضخم، في حين يعتقد سكان مستوطنات غلاف غزة أن هذا هو الحل المثالي لمواجهة أنفاق المقاومة.[2]
ونُقل عن مصادر في وزارة الحرب الإسرائيلية بإنجاز بناء 90% من الجدار ، ورجحت أن يستكمل إنشاؤه في أوائل العام 2019.[3]
يطرح قرب انتهاء الجيش من بناء الجدار العازل العديد من التحديات والأسئلة حول: أبعاده الأمنية والسياسية، ومدى فعاليته في إنهاء خطر الأنفاق الهجومية، التي استثمرت فيها قوى المقاومة إمكانات هائلة وأثبتت التجربة نجاعتها، والخيارات المتاحة أمام فصائل المقاومة الفلسطينية لمواجهة هذا التحدي، أو ابتكار وسائل ردع بديلة؟

مشروع بناء الجدار العائق ومراحله
استخدمت المقاومة الفلسطينية سلاح الأنفاق في العام الثاني لانتفاضة الأقصى، وسُجِّلت أول عملية عسكرية من خلال نفق بتاريخ 26/9/2001 في موقع ترميد.[4]
وبحسب موقع حركة حماس الإلكتروني، فقد استُخدِم سلاح الأنفاق 13 مرة خلال الفترة (2001-2014)، واعتمدته المقاومة خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في العام 2014 كسلاح إستراتيجي وليس تكتيكيًا.
استدعى ذلك تكثيف جهود الجيش الإسرائيلي لإحباط خطر الأنفاق، من خلال بناء جدار خرساني يتضمن، وفقًا لمقال نشره يوسي ميلمان، محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في آب 2017، ثلاثة عناصر: حائط مسلح من الإسمنت والحديد، يصل طوله إلى حوالي 65 كم، وبعمق يمتد إلى عشرات الأمتار في باطن الأرض، وترتبط به مجسات لتشخيص الأصوات والتموجات لحفر الأنفاق، إلى جانب جدار علوي بارتفاع ستة أمتار، يتم على امتداده بناء أبراج مراقبة وكاميرات ومواقع قيادة ورقابة، مرتبطة بمنشأة تحكم مركزية. [5]
ويعد هذا الجدار – وفق ميلمان - من أكبر المشاريع الهندسية والتكنولوجية في إسرائيل، ويهدف إلى منع "حماس" من حفر المزيد من الأنفاق داخل إسرائيل.[6]
وأوضح يوآف غالانت، وزير الإسكان الإسرائيلي، أن الجدار سيحفر في الأراضي الإسرائيلية بموازاة السياج الأمني الذي يغلق بالكامل قطاع غزة في الشمال والشرق، وأضاف "أن وقوع المشروع على أرضنا السيادية يسقط أي تبرير لهجمات ضد الذين يعملون فيه".[7]
ما زال الجدار العازل يشق طريقه من تحت الأرض، ومن المتوقع الانتهاء من بنائه بداية العام 2019 وفقًا لصحيفة "يديعوت أحرونوت". ويحاول جيش الاحتلال، قدر الإمكان، عدم الانجرار لأي مواجهة مع غزة قبل استكمال بنائه وتوفير الأمن لمستوطنات غلاف غزة.
في المقابل، أعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، في بيان على موقعها الإلكتروني في أيلول 2017 أن الجدار لن يحد من قدرة المقاومة، التي ستجد حلوًلا لتجاوزه. وأضافت: "أن الاحتلال يلهث خلف سراب الوهم المتكرر، حتى أعلن أخيرًا عن وصوله للحل الجذري للقضاء على الظاهرة التي تؤرقه منذ زمن، جدار بأجهزة إلكترونية يزرع في أعماق الأرض وفوقها، للحد من الأنفاق".
ترى "حماس" أن إقدام الاحتلال على بناء الجدار هو محاولة لإرضاء الرأي العام الإسرائيلي وإشعاره بالأمان، وأنها قادرة على مواجهة التحدي وابتكار وسائل لاختراقه.
وفي هذا السياق، قالت حركة الجهاد الإسلامي إن هذه الإجراءات التي يتخذها الاحتلال ستواجه بقوة وحزم، معتبرة أن الاحتلال يحاول جر المقاومة إلى مواجهة لا تريدها، إلا أنها في حين فرضت عليها، فلن تقف المقاومة مكتوفة الأيدي أمام الاعتداءات الصهيونية.[8]
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فأشارت إلى أن المقاومة لن تسمح للاحتلال بفرض سياسات ووقائع جديدة على حدود قطاع غزة، واعتبرت بناء الجدار عدوانًا على القطاع ستتصدى له المقاومة.[9]
في حين ترى الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين أن هذا الجدار لا يشكل أمنًا لإسرائيل، وأنها ليست الطرف الوحيد في المعادلة، إذ باتت المقاومة تشكل جزءًا أساسيًا فيها، ولن يسمح لإسرائيل بفرض سياساتها على حدود القطاع.[10]

جدار أمني أم حدود سياسية
ترتب على نجاح المقاومة الفلسطينية في تطوير سلاح الأنفاق الهجومية، التي أثبتت فعاليتها خلال عدوان 2014، حالة من الجدل في الأوساط الأمنية الإسرائيلية حول آليات تفادي الإخفاقات التي وقعت خلال العدوان، وإيجاد وسائل فعّالة لتحييد الأنفاق في حال اندلاع مواجهات قادمة مع المقاومة الفلسطينية في غزة.
ضمن هذا السياق، جاءت المصادقة على بناء الجدار العازل حول قطاع غزة، تلبية لاعتبارات أمنية بدرجة رئيسية، واستجابة مباشرة لمطالبات رؤساء مستوطنات غلاف غزة لحكومة الاحتلال بتزويد الحدود مع القطاع بوسائل تقنيّة قادرة على مواجهة خطر الأنفاق، والتصدي لإمكانية تسلّل مقاومين لتلك المستوطنات.[11]
أكد واصف عريقات، الخبير العسكري، أن الهدف من بناء الجدار طمأنة الجمهور الإسرائيلي الذي بات يشعر بعدم الأمان، وعدم قدرة جيش الاحتلال على مواجهة الأنفاق.[12] إلا أن البعد الأمني لا ينفي الأهداف السياسية الإسرائيلية، التي ترمي إلى تكريس انفصال قطاع غزة، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، وهذا ما أكده طلال عوكل، الكاتب والمحلل السياسي، بقوله إن للجدار أهدافًا سياسية تتمثل في إخراج قطاع غزة من المسؤولية الإسرائيلية، كدولة احتلال، واستكمال فصل القطاع عن الضفة والقدس، وإنهاء حل الدولة.[13]
وفي هذا السياق، يقول يوسي ميلمان إن بناء هذا الجدار هو "استمرار لجدران أمنية أنشأتها إسرائيل مع دول عربية مجاورة"، مثل الجدار بمنطقة سيناء بطول 200 كم، و90 كم على الحدود مع سوريا في هضبة الجولان، وعشرات الكيلومترات على الحدود مع لبنان، و30 كم على حدود الأردن، وأكثر من 400 كم طول الجدار الفاصل في الضفة الغربية.[14]

خيارات المقاومة الفلسطينية
السيناريو الأول: نجاح المقاومة في اختراق الجدار وإحباط فاعليته
يقوم هذا السيناريو على نجاح فصائل المقاومة الفلسطينية في ابتكار وسائل تكنولوجية تخترق الجدار العازل.
ويعزز هذا السيناريو تأكيد كتائب القسام أن بناء الجدار لن يحد من قدرة المقاومة، وأنها ستجد حلولًا لتجاوزه، وكذلك قول يوسي لنغوتسكي، المستشار السابق لرئيس هيئة الأركان الإسرائيلية لشؤون مكافحة الأنفاق: "حتى لو كان التسلل بعد بناء هذا الجدار صعبًا، إلا أن عدوًا عنيدًا وصارمًا كحماس بإمكانه إيجاد الطريقة للقيام بذلك، فإقامة جدار بتكلفة مليارات الشواقل هو أكبر دليل على فشل الأجهزة الأمنية على مدار 15 عامًا في التغلب على تحدي الأنفاق".[15]
يحقق هذا السيناريو للمقاومة هدف المحافظة على معادلة الردع التي وفرتها الأنفاق الهجومية، ويعزز مكانتها الإستراتيجية في أي مواجهة قادمة مع الاحتلال، ويحد من احتمالات إقدامه على شن حرب على غزة، تجنبًا لتكلفتها الباهظة.
يعدُّ هذا السيناريو المفضل للمقاومة الفلسطينية، والأقل كلفة بالنسبة لها، ولكن قدرتها على اختراق الجدار لا تزال احتمالًا، لم يختبر بعد، وبالتالي يبقى الأمر مفتوحًا على احتمالات أخرى، من بينها الفشل في تطوير وسائل تكنولوجية فعالة لتجاوز الجدار، وحاجتها إلى ابتكار أسلحة بديلة للأنفاق الهجومية.
السيناريو الثاني: تطوير أدوات بديلة تعزز قدرات المقاومة الهجومية
يُبنى هذا السيناريو على فرضية فشل المقاومة في تطوير وسائل تكنولوجية لاختراق الجدار، وفقدانها لقدرة الردع الإستراتيجية التي حققتها بفضل الأنفاق الهجومية، وهذا من شأنه أن يعزز إستراتيجية الاحتلال في التعامل مع قطاع غزة القائمة على تكريس انفصاله، عبر الحصار والتحكم في المعابر والردع العسكري، ويزيد من احتمالات توجيه ضربات عسكرية، جزئية وشاملة، لفصائل المقاومة.
ستكون تكلفة هذا الخيار باهظة، لأن فصائل المقاومة، في هذه الحالة، ستكون مضطرة لتطوير بدائل فعالة للأنفاق الهجومية، بتكلفة مادية وبشرية عالية، تضاف إلى الموارد الكبيرة التي وظفتها في الأنفاق الهجومية طوال السنوات الماضية.
ومع ذلك، يبدو أن فصائل المقاومة ماضية في هذا الخيار منذ سنوات عدة. فقد أعلنت كتائب القسام في تموز 2014 بأن مهندسيها تمكنوا من تصنيع طائرات بدون طيار تحمل اسم "أبابيل".
كما تعتقد المخابرات الإسرائيلية بأن "حماس" تركز على تحسين قدراتها في تصنيع الطائرات بدون طيار، فقد صرح يوسي ميلمان بأن "حماس" زادت من جهودها لتطوير طائرات بدون طيار بعد أن كشفت "إسرائيل" عن عدد من الأنفاق.[16]
وثمة تقديرات إسرائيلية بأن المقاومة في غزة باتت لا تعتبر الأنفاق سلاحًا إستراتيجيً، إذ قال يوآف زيتون، الخبير العسكري، "إن المقاومة في غزة تواصل تقوية قدراتها العسكرية من خلال الوحدات البحرية، وتبذل مقدرات تسليحية فيها تجعل أفرادها قادرين على الغوص كيلومترات عدة دون أن يتركوا آثارًا خلفهم".[17]

السيناريو الثالث: فشل المقاومة في اختراق الجدار أو تطوير بدائل جديدة
يحقق هذا السيناريو أهداف الاحتلال الإسرائيلي من وراء بناء الجدار، إذ يعزز قدرة الردع لديه في مواجهة المقاومة، ويجعله أكثر قدرة على التحكم في مصير قطاع غزة، لأن المقاومة ستكون أكثر حرصًا على تجنب المواجهة العسكرية لتكلفتها الباهظة.
تقدر قيادة جيش الاحتلال بأن بناء الجدار كفيل بتحقيق تلك الأهداف، لذا وظفت مليارات الشواكل من أجل بنائه، وظهر تصميمها على استكماله وتسريع وتيرة بنائه من خلال استقدام آلاف العمال الأجانب. وفي هذا السياق، صرّح أيال زمير، قائد المنطقة الجنوبية في "الجيش"، في آب 2017، بأن إسرائيل ستواصل بناء الجدار على حدود القطاع بوتيرة أعلى من ذي قبل، حتى لو أدى ذلك إلى اندلاع مواجهة.[18]
في المقابل، تؤكد فصائل المقاومة أنها قادرة على التغلب على تحدي الجدار، وتطوير وسائل هجومية بديلة. وهذا احتمال غير مستبعد لدى دوائر الاستخبارات والخبراء العسكريين الإسرائيليين.
ستكون فصائل المقاومة، على الأرجح، قادرة على تطوير بدائل هجومية بديلة، وبالتالي تحسين وضعها الإستراتيجي في مواجهة جيش الاحتلال.
خاتمة
إن السيناريو المرجح هو نجاح فصائل المقاومة الفلسطينية في تطوير بدائل هجومية فعّالة، إلى جانب سعيها لابتكار وسائل تكنولوجية لاختراق الجدار، لكي تحافظ على الميزة الهجومية، والردعية، التي تحققت لها بفضل الأنفاق الهجومية.
كما سينصب اهتمام المقاومة على تطوير قدرات الهجوم البحري، وتكنولوجيا الطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى تطوير قدراتها الصاروخية، وذلك بالتوازي مع استكمال إسرائيل بناء الجدار حول قطاع غزة، برًا وبحرًا.
لا تلغي السيناريوهات الواردة أعلاه أن كلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني يسعيان لتجنب المواجهة العسكرية الواسعة، وأن الجهود التي تبذلها مصر ونيكولاي ملادينوف، المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام بالشرق الأوسط، قد تفتح الطريق أمام سيناريو آخر، هو التوصل إلى تثبيت وقف إطلاق النار وفق معادلة "هدوء مقابل هدوء"، وهي معادلة هشة ما لم يتم التوصل إلى اتفاق على تهدئة أو هدنة طويلة المدى، بما يشمل تخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة، وربما تحقيق تقدم في ملف المصالحة الفلسطينية.
وفي حالة نجاح هذا السيناريو يبقى الوضع القائم على ما هو عليه، أي يستمر العمل في بناء الجدار مع عدم تفعيل سلاح الأنفاق، أو أي بدائل هجومية، بموجب المعادلة المترتبة على التوصل إلى اتفاق الهدنة.
ولكن ذلك، على أهميته، لا يغني عن ضرورة استعادة الوحدة الوطنية على أسس التوافق والشراكة الوطنية، وتجميع طاقات الشعب الفلسطيني كاملة في إطار إستراتيجية نضالية شاملة، لمواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني، ومخططاته الرامية إلى تكريس انفصال قطاع غزة، وتصفية الحقوق والقضية الوطنية الفلسطينية.

*منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي
منبر شبابي فلسطيني مستدام، حر ومستقل، يجمع عددًا من الباحثين/ات الشباب خريجي برنامج السياسات العامة والتفكير الإستراتيجي الذي ينفذه مركز مسارات، المهتمين بواقع ومستقبل القضية الفلسطينية. ويهدف إلى تعزيز مشاركة الشباب الفلسطيني في السياق الوطني ضمن الشرط الاستعماري. كما يمثل المنتدى حاضنة سياساتية متخصصة تعمل تحت إشراف ومتابعة مركز مسارات.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news8891.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.