آخر الأخبار :

تقدير موقف : المستشفى الأميركي في قطاع غزة

كشف السفير محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار قطاع غزة، خلال مؤتمر له بتاريخ 14/5/2019، عن إقامة مستشفى أميركي على الحدود الشمالية لقطاع غزة، وبالقرب من معبر بيت حانون "إيرز" الإسرائيلي، وأن قطر ستتكفل بتمويله. وجاء إعلان العمادي ضمن الحديث عن تفاهمات التهدئة بين حركة المقاومة الإسلامية "حماس" ودولة الاحتلال الإسرائيلي.
بعد إعلان العمادي، بدأت منظمة "سفن الصداقة" الأميركية بتنفيذ المستشفى على الأرض خلال تشرين الأول/أكتوبر 2019، من خلال تجهيزات متنقلة وليست ثابتة، نُقلت من الجولان السوري المحتل، حيث كان المستشفى يعمل هناك، ويخدم قوات المقاتلين ضد النظام في سوريا، إلى قطاع غزة. وسيقام المستشفى على مساحة 40 دونمًا داخل أراضي قطاع غزة، بجوار معبر بيت حانون، وسيشغل قرابة 250 طبيبًا في 17 تخصصًا، بقدرة علاجية تصل إلى 500 حالة يوميًا.
ما حقيقة هذا المشروع؟، وهل له مضامين سياسية؟
يحاصر الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة، وتعدّ الولايات المتحدة الأميركية الفصائل الموجودة في القطاع "إرهابية"، وتضعها على قائمة الإرهاب الدولي، وخاصة حركة حماس، وبالرغم من ذلك تقوم مؤسسة أميركية بتنفيذ مشروع يساعدها على تعزيز سيطرتها على غزة، وبموافقة إسرائيلية. وهذا يقوي كثيرًا فرضية البُعد السياسي للمستشفى.
طريق المستشفى إلى قطاع غزة
يواصل آلاف الفلسطينيين، منذ نهاية آذار/مارس 2018، المشاركة في فعاليات مسيرات العودة وكسر الحصار، على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع الأراضي المحتلة العام 1948، التي خلّفت منذ انطلاقها 215 شهيدًا، وآلاف الجرحى.
رافق المسيرات جولات تصعيد مسلحة بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، واستدعى ذلك تدخلات لتثبيت التهدئة، بدأت المساعي من جمهورية مصر العربية، ودولة قطر، ونيكولاي ملادينوف، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط؛ بمحادثات غير مباشرة بين "حماس" التي جمعت الفصائل إلى جانبها، والاحتلال الإسرائيلي؛ لتحقيق تهدئة ينتج عنها رفع الحصار
وفتح المعابر وإدخال المساعدات، مقابل هدوء على الحدود ومنع أي عمل ضد إسرائيل، ومن ضمن التسهيلات المعلنة المستشفى الميداني الأميركي، بحسب إعلان العمادي.
مواقف فلسطينية
أكد حازم قاسم، المتحدث باسم حركة حماس، بتاريخ 2/11/2019، "أن إنشاء المستشفى الأميركي جزء من التفاهمات الأخيرة مع الاحتلال، وباتفاق مع كافة الفصائل الفلسطينية". واعتبر خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، أن المستشفى جزء من الضغط على الاحتلال، وأننا "أجبرنا الاحتلال على أن يكون في موقعه الحالي".
في المقابل، رفضت الرئاسة الفلسطينية إقامة المستشفى، وأكد الرئيس محمود عباس، بأنه لن يسمح له ولغيره من المشاريع في قطاع غزة بأن تمر. فيما اعتبره رئيس الوزراء محمد اشتية، إجهازًا على المشروع الوطني، وتمريرًا لمشروع الحل الأميركي.
من جهتها، استنكرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح" موافقة "حماس" على إنشاء ما أسمته قاعدة عسكرية أميركية تحت مسمى مستشفى ميداني، وأوضحت في بيان صادر عن مفوضية الإعلام والثقافة، أن "حماس" ترتكب جريمة بحق القضية الفلسطينية، التي ثمنها أن تقوم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بإدارة "صفقة القرن" التصفوية بالتعامل مع "حماس" واعتمادها بديلًا من منظمة التحرير الفلسطينية.
وأنكرت حركة الجهاد الإسلامي ما جاء على لسان حازم قاسم بأن المستشفى جاء بالاتفاق مع الفصائل، مؤكدة أنه لم يطرح على طاولة الفصائل ولم تتضح معالمه بعد. وفي ذات السياق، أصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بيانًا رسميًا أكدت فيه أنها لم تكن جزءًا من أية تفاهمات أو ترتيبات تتعلق بإقامة المستشفى، محذرة من استخدام معاناة الشعب واحتياجاته لتحقيق أهداف سياسية معادية.
وللتحذير من خطوة المستشفى، قال وليد العوض، عضو المكتب السياسي لحزب الشعب، إن المستشفى يخضع للسيادة الأميركية، ونفى ادعاء "حماس" بوجود توافق وطني على إقامته. أما جمال نصر، عضو المكتب السياسي لحزب "فدا"، فقال إن المستشفى لا يمكن أن تكون أهدافه إنسانية"، معتبرًا إياه بمنزلة جهاز استخباري لجمع المعلومات عن القطاع. فيما أكد محمود الزق، أمين سر هيئة العمل الوطني في القطاع، رفض القوى السياسية لإقامة المستشفى
موقف الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة الأميركية
لم يصدر موقف رسمي من "إسرائيل" حول المستشفى، وبقي الأمر مقتصرًا على ما ورد في الإعلام الإسرائيلي، إذ قالت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، إن وسطاء التهدئة بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية، يتوقعون، في حال الحفاظ على الهدوء بين الجانبين، الانتقال إلى المرحلة التالية من تفاهمات التهدئة، بعد موافقة الاحتلال على بناء المستشفى، وإدخال أموال قطر في المرحلة الأولى".
أما القنصلية الأميركية في القدس، فقالت إن الحكومة الأميركية لم تشارك في تنظيم أو تمويل المستشفى، ولكنها على علم بإنشاء مؤسسة أميركية خاصة لمستشفى ميداني في القطاع.
القائمون على المستشفى
تعرّف سفن الصداقة (Frined Ships) نفسها على موقعها الإلكتروني بأنها "منظمة إغاثة دولية متطوعة من خلال تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية في حالات الكوارث. وأشارت في إعلان لها بأنها ستوفر للمتطوعين الذين سيعملون في المركز الصحي في غزة خدمات الرعاية الصحية عن بعد، ومنطقة لعب للأطفال، ومسكن ومأكل، موضحة أن المركز سيقدم خدماته للجمهور أربعة أيام أسبوعيًا. وبالنسبة إلى المتطوعين الذين يرغبون في القيام بجولة سياحية، فسيكون لهم خيار اتخاذ الترتيبات الخاصة لقضاء ثلاثة أيام أسبوعيًا، للتعرف على الأراضي المقدسة".
صاحب "سفن الصداقة" أميركي إنجيلي يدعى دون تيبتون، وهو منحاز لإسرائيل حسب تصريحاته، إذ قال أثناء تواجد المستشفى في الجولان المحتل، "إن تقديم المساعدات للسوريين أصبح مهمته الأكثر أهمية، لأنه يساعد على تعزيز إسرائيل وحمايتها"، واصفًا العرب بـ"الغزاة القادمين حديثًا".
أثارت العلاقة بين إسرائيل وتيبتون والمستشفى تخوف وتساؤلات حول المستشفى، لا سيما في ظل صمت الإدارة الأميركية التي لا تُخفي عداءها لفلسطين، وقطع كل المساعدات عن الشعب الفلسطيني، وحتى مساهماتها لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأميركية إليها.
تخوفات حول المستشفى
أثار الحديث عن إقامة المستشفى تخوفًا من إمكانية تعميق الانقسام، الأمر الذي من شأنه أن يعبد الطريق لتسهيل تنفيذ "صفقة القرن"، لا سيما في ظل عدم إبرام اتفاق بخصوصه مع السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا، والاكتفاء بالاتفاق مع "حماس"، التي هي خارج منظمة التحرير. ويعود هذا التخوف إلى أن هذا الأمر تجاوز للسلطة وللمنظمة، ويفتح الأبواب على تحويل القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية عبر تفاهمات سياسية قد تقود في النهاية إلى انفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية. ويتبيّن ذلك من التصريحات الجديدة بخصوص التسهيلات لقطاع غزة، مثل الجزيرة العائمة، والمطار الذي سيعمل وفق آلية مراقبة دولية، ضمن خطة تريد من خلالها إسرائيل رفع مسؤوليتها عن غزة، في إطار اتفاق تهدئة طويل الأمد.
في الواقع، إن سياق المشاريع الإنسانية التي تطرح، والمناطق الصناعية، وإعادة بناء البنية التحتية، تتفق جميعها مع فكرة الحل الاقتصادي الأمني، ليؤسس رؤية سياسية لغزة تعزز الانقسام، وتسير في اتجاه توثيق سلطة في غزة بعيدًا عن كل الطموحات في المصالحة، حيث إن الخلافات ستزداد بين السلطة وحركة فتح من جهة وبين حركة حماس من جهة أخرى. وهذا ما أكده محمود العالول، نائب رئيس "فتح"، إذ اعتبر المستشفى قاعدة عسكرية أميركية، وتساوقًا مع المخططات الهادفة إلى تكريس الانقسام.
أما "حماس"، فعبّرت عن موقفها الرافض لصفقة القرن وكل الحلول الإقليمية المقترحة التي ترمي إلى تصفية الحقوق الفلسطينية. لكن السلطة تبدي تخوفها من محاولات إضعافها وتقوية الواقع في غزة من خلال تجاوزها والتفاوض مع "حماس"، التي لا تمانع من الانفتاح والحديث مع الولايات المتحدة، تحت مسوغات إنسانية قد تُفضي إلى اتصالات سياسية معينة، من نوع الحديث عن هدنة طويلة الأمد بين "حماس" والاحتلال الإسرائيلي، لا سيما أن "حماس" صرحت على لسان موسى أبو مرزوق، عضو المكتب السياسي للحركة، بأنها "قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع إسرائيل".
وهناك تخوف آخر يأتي من العمل الاستخباري من خلال جمع المزيد من المعلومات من الحالات التي ستزور المستشفى، ولن تتأخر إسرائيل وجهاز مخابراتها "الموساد" من استثمار المستشفى لاختراق المقاومة، خاصة أن حرية الحركة متوفرة بسبب الطاقم الطبي الدولي الذي سيكون غير معروف لأجهزة أمن "حماس".
بالإضافة إلى ما سبق، هناك تخوف من محاولات اختراق المجتمع في غزة من خلال رحلات سياحية للعاملين في المستشفى إلى دولة الاحتلال، سينظمها القائمون على المستشفى، إذ أشارت مؤسسة "سفن الصداقة" في إعلانها أن أحد أهدافها السماح بزيارة المتطوعين في المستشفى إلى دولة الاحتلال تحت شعار التعرف على "الأراضي المقدسة".
وفي فيديو نشرته وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية "وفا" لمقابلات أجرتها إحدى فضائيات الاحتلال مع مواطنين سوريين تعالجوا في المستشفى، حينما كان متواجدًا في الجولان، لوحظ مدى اهتمام القائمين على المستشفى بتحسين صورة إسرائيل، إذ أجابت إحدى السوريات أنها تفضل إسرائيل على وطنها بسبب رؤيتهم حقيقتها. وهنا رد محمود الزهار، عضو المكتب السياسي في حماس بالقول، "إن المستشفى الأميركي دوره خدمي، وعندما يخرج عن دوره يصبح دوره صفرًا، وهنا لا يمكن أن نقبل به".
تعلم "حماس" أن طاقم المستشفى أميركي، ومن المتوقع أن تطالب واشنطن "رعاياها" من الأطباء بمغادرة غزة عند حصول أي تصعيد، وفي هذه الحالة قد يغلق المستشفى بانتظار عودة الهدوء، ما يعني أن المرضى الفلسطينيين سيكونون رهائن القرار الأميركي. فهل سيغادر المستشفى في هذه الحالة بناء على طلب "حماس" بشكل نهائي؟
رغم التخوفات والمعارضة إلا أن "حماس" ترى في المستشفى بوابة للتهدئة وإقامة المشاريع التي ستخفف من الضغط الشعبي عليها، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية في القطاع، والإجراءات المفروضة من قبل السلطة الفلسطينية على قطاع غزة كنسبة صرف رواتب موظفي السلطة ووقف التحويلات الطبية حسب ما تقوله "حماس" وتنفيه الحكومة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، قال سامي أبو زهري، القيادي في حماس، في تغريدة له عبر موقع تويتر: "نشعر بالأسف تجاه خطاب قيادات "فتح" التوتيري المتعلق بإقامة مستشفى ميداني في غزة، وعليهم أن يتوقفوا عن العلاج بمئات آلاف الدولارات في المستشفيات الأميركية والإسرائيلية قبل أن يهاجموا غزة المحاصرة".
خاتمة
يعدّ الاتفاق المنفرد على إقامة المستشفى الأميركي في قطاع غزة مؤشرًا على استعداد "حماس" لمواصلة الصراع على شرعية تمثيل الشعب الفلسطيني والتحدث باسمه، والذهاب إلى حد إبرام اتفاق بعيدًا عن موافقة المؤسسات الشرعية والرسمية الفلسطينية بحكم سيطرتها على القطاع. وهذا سيعزز موقف إسرائيل والولايات المتحدة بأن "دولة فلسطين" التي باتت عضوًا بصفة مراقب في الأمم المتحدة غير موحدة الأرض والحكم، وأن الضفة والقدس حق لإسرائيل، وغزة هي دولة الفلسطينيين.
إن موقف حماس من المضي في إقامة المستشفى بالرغم من كل الضبابية التي تحيط به، ما هو إلا استشعار لما قد تصل إليه مخاوف السلطة وفصائل منظمة التحرير من التبعات السياسية لاستمرار "حماس" في إبرام المزيد من التفاهمات مع الاحتلال الإسرائيلي، وتفاقم الخلافات الداخلية والصراع على الشرعية، من خلال توجيه رسائل للمجتمع الدولي والإقليمي بأن "حماس" قادرة على فرض وقائع جديدة وتلتزم بها، في حال التوصل إلى هدنة تبقي على قوتها وتواجدها في المشهد السياسي والحكم.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news14258.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.