آخر الأخبار :

تقدير موقف يستعرض موقف الدول العربية من خطط ضم الأغوار للسيادة الإسرائيلية.

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج المشاركين/ات في برنامج "التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات" الذي ينفذه مركز مسارات - الدورة السادسة 2019-2020.
مقدمة
صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مؤتمر له خلال حملته الانتخابية، بتاريخ 17/9/2019، بأنه سيفرض السيادة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن وشمال البحر الميت في الضفة الغربية إذا أعيد انتخابه رئيسًا للحكومة المقبلة، حيث قال مخاطبًا الناخبين الإسرائيليين: "إذا تلقيت منكم تفويضًا واضحًا للقيام بذلك، أعلن اليوم نيتي إقرار سيادة إسرائيل على غور الأردن وشمال البحر الميت". كما وعد نتنياهو ناخبيه بأن "يُقدّم للكنيست المقبل مشروعًا كاملًا لنشر مستوطنات في منطقة غور الأردن، وبأن يضم مستوطنات أخرى بعد نشر خطة ترامب للسلام".
وعلى الرغم من عدم تمكّن نتنياهو من تشكيل الحكومة والتوجه إلى إجراء انتخابات إسرائيلية ثالثة في 2/3/2020، إلا أن خطر الضم ما زال قائمًا، إذ سيبقى نتنياهو رئيسًا للوزراء حتى إعلان النتائج، وربما يُقدم فعليًا على الضم لكسب أصوات الناخبين. وعلى الطرف الآخر، أدلى حايلي تروبر ويوعز هندل، عضوا الكنيست عن حزب "أزرق أبيض"، المنافس لليكود، بتصريحات للإذاعة الإسرائيلية، بتاريخ 7/11/2019، أكدا فيها أن "أزرق أبيض"، بزعامة بيني غانتس، مستعد للذهاب إلى فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت".
خلّفت التصريحات الإسرائيلية موجة من الاستنكار والتنديد العربي، مما يثير أسئلة مهمة عن دلالات الموقف العربي الرافض للتصريحات الإسرائيلية، في ظل تسارع تطبيع العلاقات العربية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.
استنكار عربي
أعلن وزراء الخارجية العرب، في ختام الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية الذي عقد في العاصمة المصرية القاهرة، بتاريخ 10/9/2019، في دورة غير عادية عقدت بناءً على طلب دولة فلسطين، رفضهم الإعلان، واعتبروه "تطورًا خطيرًا وعدوانًا إسرائيليًا جديدًا ينتهك على نحو فاضح القانون الدولي
وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ذات الصِّلة، بما فيها قرارا مجلس الأمن 242 و338، ويقوّض فرص إحراز أي تقدم في عملية السلام ونسف أسسها كاملة". وأعلن المجلس عزمه متابعة هذه التصريحات العدوانية، واتخاذ كافة الإجراءات والتحركات القانونية والسياسية للتصدي لسياسة الاحتلال أحادية الجانب.
وأدانت المملكة العربية السعودية الإعلان الإسرائيلي في بيان صدر عن الديوان الملكي السعودي، بتاريخ 10/9/2019، معتبرة إياه "تصعيدًا بالغ الخطورة بحق الشعب الفلسطيني"، مضيفة "أن من شأن هذا الإعلان تقويض ورفض أي جهود تسعى لإحلال سلام عادل ودائم". ودعت المملكة إلى "عقد اجتماع طارئ لمنظمة التعاون الإسلامي على مستوى وزراء الخارجية لبحث هذا الموضوع، ووضع خطة تحرك عاجلة، وما تقتضيه من مراجعة المواقف تجاه إسرائيل بهدف مواجهة هذا الإعلان والتصدي له واتخاذ ما يلزم من إجراءات".
من جهته، قال أيمن الصفدي، وزير الخارجية الأردني، بتاريخ 25/11/2019، "إن إسرائيل ستقتل أي فرصة للسلام إن مضت بخطواتها في ضم وادي الأردن وشمال البحر الميت"، مؤكدًا أن لا شيء يغير من حقيقة أن المستوطنات غير شرعية.
وأدانت الخارجية الكويتية الإعلان، واعتبرته اعتداءً خطيرًا على حقوق الشعب الفلسطيني وانتهاكًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، فضلًا عما يمثله من تقويض للجهود الهادفة إلى إحلال السلام العادل والشامل.
وفي بيان لها، أدانت وزارة الخارجية القطرية الإعلان واعتبرته "امتدادًا لسياسة الاحتلال القائمة على انتهاك القوانين الدولية، وممارسة كافة الأساليب الدنيئة لتشريد الشعب الفلسطيني الشقيق، وسلب حقوقه دون وازع من أخلاق أو ضمير".
من جانبه، قال عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، إن الإعلان "يعتبر تصعيدًا خطيرًا ينتهك كافة المواثيق والقرارات الدولية، ويعبّر عن الاستغلال الانتخابي في أبشع صوره"، فيما اعتبرت وزارة الخارجية البحرينية الإعلان "تعديًا سافرًا ومرفوضًا على حقوق الشعب الفلسطيني، ويعكس إصرارًا على عدم التوصل إلى سلام عادل وشامل".
ترحيب فلسطيني بالموقف العربي
رحبت السلطة الوطنية الفلسطينية بالموقف العربي المتضامن مع الحقوق الفلسطينية، فقد أعرب الرئيس الفلسطيني محمود عباس، عن شكره وتقديره العالي لمواقف دول العالم التي رفضت تصريحات نتنياهو حول نيته ضم أجزاء من الضفة الغربية التي هي جزء من أرض الدولة الفلسطينية. وأكد الرئيس أن هذه المواقف تنسجم مع القانون الدولي، والشرعية الدولية، وقرارات الأمم المتحدة، ومبادرة السلام العربية، وتعبر عن موقف المجتمع الدولي الحقيقي الذي يؤكد أن لا استقرار في الشرق الأوسط والعالم إلا بإيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، مثمنًا موقف السعودية على دعوتها لاجتماع عاجل لوزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي.
وأكد الرئيس عباس عقب إعلان نتنياهو أن "جميع الاتفاقات الموقّعة مع الجانب الإسرائيلي وما ترتّب عليها من التزامات تكون قد انتهت، إذا نفذ الجانب الإسرائيلي فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن وشمال البحر الميت وأي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967"، وشدد على أن "من حقنا الدفاع عن حقوقنا وتحقيق أهدافنا بالوسائل المتاحة كافة مهما كانت النتائج".
اختلاف التصريحات عن السياسات
جاءت التصريحات العربية الرافضة للضم الإسرائيلي سريعة وحاسمة، وحملت في طياتها إجماعًا عربيًا على التمسك بالحقوق الفلسطينية والدفاع عنها، والوقوف إلى جانب السلطة الفلسطينية ضد التغول والهيمنة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، ورفضًا لفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة والخطوات الأحادية الإسرائيلية بعيدًا عن مسيرة التسوية، إلا أن الوقائع على الأرض تشير إلى تصدّعات تضعف هذا الموقف، فالتطبيع العربي الإسرائيلي في الفترة الأخيرة قفز قفزات نوعية، وتشهد العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل تقاربًا غير مسبوق.
وفي هذا السياق، غرد نتنياهو على تويتر أن دولته "تقيم علاقات مع ست دول عربية على الأقل"، مضيفًا أن "التطبيع يتقدم، خطوة بعد خطوة، وهذا سيؤدي في نهاية المطاف إلى علاقات سلمية"[12]، وذلك في معرِض إعلانه عن مشاركة إسرائيل في معرض إكسبو 2020 الذي سيقام في مدينة دبي بالإمارات.
من جانبه، صرح خالد بن أحمد آل خليفة، وزير الخارجية البحريني، لصحيفة "التايمز أوف إسرائيل" أن "بلاده تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وتعلم أنها باقية، وتريد السلام معها"، داعيًا الإسرائيليين إلى "التواصل مع القادة
العرب". وفي ذات السياق، دعا أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية في آذار/مارس 2019، علانية، إلى "تسريع وتيرة التطبيع بين الدول العربية وإسرائيل"، ووصف مقاطعتها بالخاطئة.
شهدت منحنيات الزيارات العلنية المتبادلة بين قيادات إسرائيلية وأخرى عربية ارتفاعًا لافتًا، فقد زار نتنياهو سلطنة عُمان في تشرين الأول/أكتوبر 2018. وشارك إسرائيل كاتس، وزير الخارجية الإسرائيلي، في مؤتمر الأمم المتحدة المناخي الذي عقد في الإمارات في حزيران/يونيو 2019، إلى جانب مرافقة ميري ريغيف، وزيرة الثقافة الإسرائيلية، للفريق الإسرائيلي خلال دوري الجودو الدولي الذي نظم بالإمارات في تشرين الأول/أكتوبر 2018[17]، إضافة إلى ما تداولته وسائل الإعلام بشأن زيارةٍ سرية للجنرال غادي آزينكوت، رئيس أركان جيش الاحتلال السابق، إلى أبو ظبي في تشرين الثاني/نوفمبر 2018.
وانتقلت العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل، بوتيرة متسارعة، من العمل في الخفاء إلى العلن، دون مراعاة الحقوق الفلسطينية، من التطبيع السري إلى التطبيع المعلن في بعض المجالات، وخاصة الاقتصادية وفق ما صرح نتنياهو، وتلك المتعلقة بالتكنولوجيا الأمنية، إذ كشف تحقيق أجراه موقع بلومبرغ عن مشروع بنية تحتية أمنية وضعته شركة إسرائيلية بمهندسين إسرائيليين في الإمارات بقيمة 6 مليارات دولار، فيما شهد التطبيع السياحي قفزة كبيرة في العام 2018 قياسًا بالأعوام السابقة في حين يتربع التطبيع الرياضي في الصدارة.
وفي ذات الوقت، لم تُقدم الدول العربية على خطوات عملية، سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، يمكن من خلالها تقييد الرغبة الإسرائيلية في التهام الأراضي الفلسطينية ووقف أطماعها في الضم، وقد اقتصرت مواقفها على الرفض والتنديد والاستنكار دون أي موقف يمكن أن تُبنى عليه خطوات عملية تؤدي إلى نتائج ملموسة.
كما أن الدول العربية لم تمارس ضغطًا حقيقيًا على دولة الاحتلال من أجل استئناف عملية السلام المتوقفة منذ سنوات، ولم تُقَدم للسلطة الفلسطينية ما يكفي لتعزيز صمودها وموقفها الرافض للقرصنة الإسرائيلية.
ومن الجدير ذكره في هذا السياق، أن غالبية الدول العربية تماطل في تنفيذ القرارات العربية الخاصة بتوفير شبكة أمان مالي للسلطة بقيمة 100 مليون دولار شهريًا، واستجابتها في الإيفاء بما عليها من التزامات تجاه الشعب الفلسطيني أقل من المطلوب.
خاتمة
من الواضح وجود تباين في الموقف العربي من ناحية مبادرته لنسج علاقات تطبيعية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي والتعاون والتحالف معها تحت مبررات مواجهة وتحجيم الخطر الإيراني، ومدى دعمه من ناحية أخرى للحقوق الفلسطينية، وتمسكه بها، وتعزيزه لمواقف السلطة الفلسطينية وصمودها في وجه الهجمة الإسرائيلية التي ترمي إلى إنهاء القضية الفلسطينية وتصفيتها.
لذا، يتوجب على الحكومات العربية أن تتخذ سياسات واضحة وفعلية ضد التطبيع مع إسرائيل لتنسجم تصريحاتها مع أفعالها على أرض الواقع، بما يضمن حفظ الحقوق الفلسطينية، وإحباط محاولات ضم الأغوار للسيادة الإسرائيلية.












نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news14103.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.