آخر الأخبار :

تقدير موقف يستعرض عقبات استيراد السلطة الفلسطينية للنفط العراقي

تأتي هذه الورقة ضمن إنتاج أعضاء "منتدى الشباب الفلسطيني للسياسات والتفكير الإستراتيجي" الذي يشرف عليه مركز مسارات.
مقدمة
أكد خالد العسيلي، وزير الاقتصاد الفلسطيني خلال مؤتمر صحفي عقده بمدينة رام الله، بتاريخ 29/9/2019، أن السلطة الفلسطينية تقدمت بطلب رسمي لإسرائيل من أجل استيراد النفط من العراق.
سبق هذا الإعلان، زيارة رسمية لوفد فلسطيني ترأسه رئيس الوزراء محمد اشتية، للعراق، بتاريخ 15/7/2019، لبحث استيراد السلطة للنفط العراقي، الذي وصفه إبراهيم ملحم، الناطق باسم الحكومة الفلسطينية، بأنه أولى خطوات الحكومة لتنفيذ قرارات المجلس الوطني الفلسطيني للانفكاك التدريجي عن الاحتلال الإسرائيلي.
يثير ما سبق أسئلة حول مدى جدية القيادة الفلسطينية في تنفيذ هذه الخطوة، خاصة أنها لم تُظهر جدية كافية لتنفيذ قرارات المجلس الوطني بفك الارتباط مع الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك حول حدود قدرة السلطة على تخطي العقبات التي يفرضها اتفاق باريس الاقتصادي، وتجعل إسرائيل الطرف المتحكم بحركة المعابر الفلسطينية، إلى جانب المشكلات الفنية التي تتعلق بمقاييس التكرير والطاقة الإنتاجية لمصفاة النفط الأردنية.
سياق الانفكاك الاقتصادي
بدأ الحديث عن الانفكاك الاقتصادي، بعد وصول المفاوضات الثنائية بمرجعية اتفاق أوسلو إلى طريق مسدود، نتيجة لعدم التزام إسرائيل بالاتفاقات الموقعة، وإمعانها في التوسع الاستيطاني، ورفضها الاعتراف بمرجعية قرارات الشرعية الدولية.
قرر المجلس المركزي الفلسطيني، في دورته السابعة والعشرين، التي عقدت في آذار/مارس 2015، وجوب تحديد العلاقة مع إسرائيل. وكلّف في دورته الثامنة والعشرين، التي عقدت في كانون الثاني/يناير 2018، اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بالعمل على الانفكاك من علاقة التبعية الاقتصادية التي كرسها اتفاق باريس الاقتصادي. وقرر في دورته التاسعة والعشرين، التي عقدت في آب/أغسطس 2018، تقديم مشروع متكامل مع جداول زمنية محددة، تتضمن تحديدًا شاملًا للعلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع الاحتلال. وأعاد التأكيد، خلال دورته الثلاثين التي عقدت في تشرين الأول/أكتوبر 2018، على وجوب تنفيذ القرارات، وخوّل الرئيس محمود عباس واللجنة التنفيذية للمنظمة بمتابعة تنفيذها.
من جهته، شدد المجلس الوطني، في دورته الثالثة والعشرين، التي عقدت في نهاية نيسان/أبريل 2018، على وجوب تنفيذ قرارات المجلس المركزي.
لكن قرارات المجلسَيْن الوطني والمركزي لم تأخذ طريقها للتنفيذ، إذ تكررت إحالة تنفيذها إلى اللجنة التنفيذية، ومنها إلى اللجان والحكومة، وبدا كأنّ الهدفَ من تكرار التأكيد والإحالة التسويفُ وتعويمُ المسؤولية، بما يسمح لرئيس السلطة استخدام تلك القرارات للمناورة السياسية والضغط على حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وتجنب خوض مواجهة مفتوحة معها في نفس الوقت.
وفي سياق الانفكاك الاقتصادي، أعلن محمد مصطفى، رئيس صندوق الاستثمار الفلسطيني، مطلع أيار/مايو 2019، أن الصندوق بصدد إطلاق شركة للاستثمار الزراعي، برأس مال أولي 80 مليون دولار، بالإضافة إلى مصنع للأعلاف في الخليل، وذلك ضمن رؤية متكاملة للاستثمار في قطاع الزراعة.
وصرح اشتية، في ذات الشهر، أن حكومته بصدد استخدام العملة الرقمية والمشفرة، بهدف التغلب على العراقيل التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي. لكن هذه الخطوات لم تأت ضمن خطة متكاملة لفك الارتباط مع الاحتلال، ولم تترتب عليها نتائج عملية مباشرة تشير إلى جدية السلطة في تنفيذ قرارات فك الارتباط.
استيراد النفط .. بين التفكير والتنفيذ
يستهلك الفلسطينيون، في قطاع غزة والضفة الغربية، شهريًا، نحو 80 مليون لتر من الوقود، وبلغت إيرادات الخزينة العامة من ضريبة المحروقات، في العام 2018، نحو 2.48 مليار شيكل، أي نحو ثلث عوائد المقاصة البالغة نحو 8 مليار. [10] وتشكل ضريبة المحروقات (البلو)، بالإضافة إلى ضرائب أخرى، حوالي 55% من قيمة سعر الوقود المباع في إسرائيل وفلسطين.
يرى سمير أبو مدللة، الخبير الاقتصادي، أن استيراد النفط من العراق يحقق فوائد عدة للسلطة، لأن سعره أقل من مشتقات النفط المستورد من إسرائيل، وبالتالي تستطيع السلطة تحصيل عوائد ضريبية أعلى وخفض سعر البيع للمستهلك في نفس الوقت. وهذا يشكل حافزًا لمزيد من الانفتاح على الأسواق العربية بهدف التحرر التدريجي من قيود اتفاق باريس الاقتصادي وتحقيق الانفكاك الاقتصادي.
في خطوة متقدمة، وقعت الحكومة الفلسطينية، بتاريخ 7/8/2019، مذكرة تفاهم مع الحكومة الأردنية، تنص على تعاون البلدين في توفير احتياجات السوق الفلسطينية من المشتقات النفطية، من خلال شرائها من الشركات المرخصة في الأردن وتصديرها إلى فلسطين.
لكن توقيع المذكرة سبقه موافقة السلطة، بعد لقاء جمع شكري بشارة، وزير المالية الفلسطيني، بموشيه كحلون، وزير المالية الإسرائيلي، بالقدس، بتاريخ 5/6/2019، على اتفاق جزئي يسمح لها باستيراد الوقود من إسرائيل من دون أن تدفع ضريبة المحروقات (البلو) للمورد الإسرائيلي، بحيث تتولى بنفسها جبايتها. وأعلن حسين الشيخ، وزير الشؤون المدنية، بأن الاتفاق سيشكل مدخلًا لحل باقي القضايا العالقة.
كما أعقبه موافقة السلطة على تسلّم مستحقاتها المالية المحتجزة لدى إسرائيل، إثر اجتماع كحلون بمسؤولين في السلطة، بتاريخ 3/10/2019، وقبولها تأجيل بحث قضية اقتطاع رواتب عائلات الشهداء والأسرى من أموال المقاصة، واستلامها مبلغ 1.8 مليار شيكل حوّلته إسرائيل إلى خزينة السلطة.
ما سبق مؤشر إضافي على عدم جدية السلطة في تنفيذ قرارات المجلس الوطني، التي تتعلق بالانفكاك الاقتصادي، بما في ذلك استكمال خطوات استيراد النفط من العراق. وما يؤكد ذلك أنها لم توقع اتفاقًا رسميًا، حتى الآن، مع الحكومة العراقية، بالإضافة إلى أن طرح فكرة استيراد النفط العراقي جاء في إطار بحث السلطة عن حلول لأزمتها المالية الناجمة عن أزمة أموال المقاصة. لذلك، ربما يكون طرح الفكرة هدفه الاستخدام السياسي، أي الضغط على "الكابينت" الإسرائيلي ودفعه للتراجع عن قرار بدء تنفيذ قانون خصم مخصصات عائلات الشهداء والأسرى من عائدات الضرائب الفلسطينية، الذي اتُّخذ في شباط/فبراير 2019.
عقبات استيراد النفط العراقي
أولًا: عقبات يفرضها اتفاق باريس الاقتصادي
يُقيّد البند (12) من اتفاق باريس الاقتصادي حق السلطة الفلسطينية في استيراد منتجات نفطية من الأردن، بشرط تطابق المنتجات النفطية المستوردة مع المقاييس الموجودة في دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وفي حال عدم تطابقها، تُحال إلى لجنة خبراء مشتركة، يمكن لها أن تقرر بالتبادل قبول مقاييس مختلفة. وفي هذه الحالة، تكون السلطة ملزمة بتمييز لون البنزين المستورد، وأن تمنع تسويقه في الأسواق الإسرائيلية. ويتيح الاتفاق للسلطة حق تحديد سعر المنتجات النفطية في مناطقها، عدا البنزين، بما لا يتجاوز فارق سعر البنزين النهائي للمستهلك في مناطق السلطة نسبة 15% من السعر النهائي في إسرائيل.
يشير ما سبق إلى أن نصوص الاتفاقات تجعل إسرائيل طرفًا متحكمًا في استيراد السلطة لأية منتجات نفطية من الأردن، لأنه يفرض مقاييس تكرير لا تتوفر لدى مصفاة النفط الأردنية، ويشترط موافقة إسرائيل، عبر اللجنة المشتركة، على أية استثناءات لتلك المعايير.
ثانيًا: عقبات فنية
أفاد مصدر مسؤول في مصفاة البترول الأردنية أن مقاييس التكرير الأردنية هي E2، وليس E5 التي يشترطها اتفاق باريس الاقتصادي، وأن تكلفة إنتاج النفط وفقًا للمعيار E5 يحتاج إلى وحدات تكرير إضافية عالية الجودة، وهي مُكلفة الثمن، علاوة على أن تطويرها يحتاج إلى مدة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات. وهذا يوفر ذريعة لإسرائيل لمنع استيراد السلطة للنفط العراقي عبر الأردن، على الأقل حتى تتمكن مصفاة النفط الأردنية من تطوير وحدات التكرير، لتتطابق مع المقاييس المطلوبة، ولتزيد طاقتها الإنتاجية بما يلبي حاجات السوق الفلسطينية.
من جهته، أكد عاصم جهاد، المتحدث باسم وزارة النفط العراقية، أن الأمور تسير على قدم وساق لعقد اتفاق لتوريد النفط العراقي للسلطة الفلسطينية عبر الأردن، ولكنه أضاف بأنه لا يمكن حسم الأمر من الزيارة الأولى، لأن التنفيذ يحتاج إلى إجراءات إدارية وفنية، وتشكيل لجان مشتركة، عراقية أردنية فلسطينية، لبحث آليات التنفيذ، وهذه قد تستغرق وقتًا طويلًا.
يضاف إلى ما سبق، العقبات الفنية واللوجستية التي تتعلق بعدم جاهزية المعابر الأردنية لنقل المشتقات النفطية إلى الأراضي الفلسطينية، وحاجة السلطة لتوفير صهاريج كبيرة وشاحنات نقل ومخازن ... وغيرها من الترتيبات المكلفة.
ثالثًا: عقبات إسرائيلية
يتيح اتفاق أوسلو وملحقاته للاحتلال الإسرائيلي السيطرة الأمنية المطلقة على الحدود والمنافذ التجارية، البرية والبحرية والجوية. ولا تزال إسرائيل تتحكم بحركة المعابر الفلسطينية، بحكم الأمر الواقع، بالرغم من انتهاء المرحلة الانتقالية، وبالتالي لا تستطيع السلطة استيراد النفط عبر الأردن من دون موافقة إسرائيلية، سواء عبر المعابر البرية، أو من خلال ميناء العقبة الأردني.

على الأرجح، لن تسهّل إسرائيل استيراد السلطة للنفط العراقي عبر الأردن، والاستغناء عن النفط الإسرائيلي، لأن ذلك قد يشجع السلطة على الانفتاح على الأسواق العربية، باتجاه التخلص التدريجي من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي. وربما كان من أحد دوافع قرار إسرائيل السماح للسلطة باستيراد الوقود الإسرائيلي من دون تسديد الضريبة للشركات الإسرائيلية؛ هو إحباط توجه السلطة نحو استيراد النفط العراقي.
خاتمة
يشير ما سبق إلى أن استيراد النفط العراقي عبر الأردن يحقق فوائد اقتصادية مباشرة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب المكاسب السياسية التي تتمثل في شق مجرى للتحرر التدريجي من التزامات اتفاق باريس الاقتصادي، والانفكاك الاقتصادي من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي. ولكن تنفيذ السلطة لهذه الخطوة يقتضي، أولًا، التوصل إلى حلول للمشكلات التي تعترضها، خاصة القيود التي يفرضها اتفاق باريس، وتحكم إسرائيل بحركة المعابر، إلى جانب العقبات الفنية التي تتعلق بتأهيل المعابر، والطاقة الإنتاجية لمصفاة النفط الأردنية، ومقاييس تكريرها للنفط.
الأهم مما سبق، أن هذا المسار يتطلب توفر إرادة سياسية لدى القيادة الفلسطينية لتنفيذ قرارات المجلسَيْن الوطني والمركزي بفك الارتباط مع الاحتلال الإسرائيلي، واستعدادها لخوض اشتباك سياسي وميداني مع الاحتلال من أجل تنفيذها. وهذه الإرادة غير متوفرة حتى الآن.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news13522.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.