آخر الأخبار :

ورقة تقدير موقف تستعرض أزمة "بريكست"

صدرت هذه الورقة عن لجنة السياسات في مركز مسارات من إعداد عبد المنعم صالح.
مقدمة
أصدر رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بتاريخ 2/10/2019، خطة بلاده المقترحة للخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد 46 عامًا على انضمامها إليه؛ لتبدأ بذلك فترة يتوقع أن تكون حاسمة في مسار أزمة "بريكست" التي تجاوز عمرها 3 سنوات.
سيرسم رد الاتحاد على الخطة المقترحة مسار الأحداث خلال الأيام القادمة التي تسبق موعد اجتماع مجلس الاتحاد الأوروبي، بتاريخ 17/10/2019، أي قبل 14 يومًا من الموعد المحدد للانسحاب. ويأمل جونسون أن يخرج الاجتماع باتفاق شامل حول الخروج.
ما فرص نجاح جونسون، وما السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة؟
رغم جولات المفاوضات المتتالية منذ بداية العام 2017، وعلى الرغم من أن مصلحة كل من بريطانيا والاتحاد الأوروبي تقتضي التوصل إلى اتفاق، إلا أن الضبابية لا تزال تسود المشهد. ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن اتفاقًا وشيكًا يلوح في الأفق. وفي ظل صعوبة باقي الخيارات أمام الحكومة البريطانية، يبقى خيار تأجيل الخروج، على صعوبته، الخيار الأرجح.
نشوء الأزمة
بتاريخ 23/6/2016، وخلال استفتاء شارك فيه 72% من البريطانيين، صوت 52% من الشعب البريطاني لصالح خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. وسبق الاستفتاء حملة نظمها مناصرو الخروج، دعوا فيها للتصويت لصالح الانفصال من أجل ما سموه بـ "استعادة" سيطرة بريطانيا على حدودها وأنظمتها ومواردها، إضافة إلى توظيف قلق البريطانيين من الهجرة الوافدة من أوروبا الشرقية. في المقابل، استندت حملة المعسكر المؤيد للبقاء، الذي كان يتزعمه رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون، على التبعات الاقتصادية السلبية التي ستنتج عن الانفصال، لكن حملة كاميرون كانت باهتة وضعيفة، بسبب اطمئنانه إلى أن البريطانيين سوف يختارون البقاء. وهو ما وصف لاحقًا بـ"سوء حسابات كاميرون".
استقال كاميرون من منصبه عقب الاستفتاء، وحلّت محله تيريزا ماي، التي كانت من معارضي الانفصال، إلا أنها أكدت في خطابها الأول بعد توليها المنصب، حتمية تنفيذ خيار الشعب.
بمجرد إعلان نتيجة الاستفتاء، بدأت تظهر على السطح تساؤلات حول ماهية الخروج الذي سيتم، وكيفية حدوثه وموعده وشروطه. وقد شغلت هذه الأسئلة، بشكل رئيس، كل من الحكومة البريطانية، والبرلمان البريطاني، ومجلس الاتحاد الأوروبي.
البحث عن صيغة الخروج
بدأت أولى جولات المفاوضات بين الحكومة البريطانية والمجلس الأوروبي، بتاريخ 19/6/2017، وتمحورت حول القضايا الآتية:
حقوق المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، والمواطنين البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد.
التزام بريطانيا تجاه موازنة الاتحاد الأوروبي، الذي يقدر بـ 12.3% من مجمل موازنة الاتحاد.
مشكلة الحدود بين جمهورية إيرلندا (العضو في الاتحاد الأوروبي) وإقليم إيرلندا الشمالية (التابع للمملكة المتحدة).
للإضاءة على حجم المعضلة التي تشكلها هذه القضية، لا بد من الإشارة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تشترك في اتحاد جمركي وسوق مشتركة، ما يعني ذلك (مع أشياء أخرى) ضمان حرية تنقل الأفراد والبضائع بين دول الاتحاد.
يصرّ الاتحاد الأوروبي على أنه لا يمكن لبريطانيا الاحتفاظ بعضويتها في السوق الأوروبية المشتركة إذا قررت مغادرة الاتحاد. في الوقت نفسه، تصر الحكومة البريطانية، على أن الخروج سيشمل مغادرة الاتحاد الجمركي. وفي ظل هذه المواقف، فإن الخروج يعني مغادرة كل من السوق الأوروبية المشتركة والاتحاد الجمركي. وبالتالي، يتعين على الحكومة البريطانية تقديم مقترح يضمن ضبط
حركة الأشخاص والبضائع بين أراضيها وباقي دول الاتحاد، عبر إيرلندا، وهو ما يتطلب إقامة شكل من أشكال الحدود عبر الجزيرة الإيرلندية.
لكن تاريخ الجزيرة وتركيبتها الطائفية، تجعل إقامة حدود برية مادية بين إقليم إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا تهديدًا للسلم الأهلي في الجزيرة. لذلك، يتفق الطرفان على عدم إقامة حدود برية مادية تقسم الجزيرة. في الوقت نفسه، ترفض الأكثرية في مجلس العموم البريطاني، على الأقل حتى وقت قريب، أي اتفاق يتضمن تمييزًا في التعامل ما بين إقليم إيرلندا وباقي أجزاء المملكة المتحدة، باعتبار ذلك يشكل تهديدًا لوحدة المملكة. وقد ترجم الحزب الديمقراطي الوحدوي ذلك الموقف عملياً، بتاريخ 4/12/2017، عندما أحبط اتفاقًا كانت ماي على وشك إبرامه مع الاتحاد الأوروبي، بسبب البند المعروف باسم "شبكة الأمان" الذي ينص على أنه في حال عدم التوصل إلى حل في ختام مرحلة انتقالية، تبقى المملكة المتحدة بكاملها ضمن الاتحاد الجمركي الأوروبي، بينما يبقى إقليم إيرلندا ضمن السوق الأوروبية المشتركة، على أن يتم إقامة حدود بحرية بين إقليم إيرلندا وباقي أجزاء المملكة.
توصل المجلس الأوروبي والحكومة البريطانية، بتاريخ 14/11/2018، إلى اتفاق شامل، يتضمن نسخة معدلة على بند "شبكة الأمان". لكن، كان على تلك المسودة أن تحظى بموافقة مجلس العموم البريطاني.
اشتداد الأزمة
اشتد مسار الأزمة مع بداية العام 2019، إذ فشلت الحكومة البريطانية في إقرار مسودة الاتفاق في مجلس العموم، وتبعه فشلٌ ثانٍ في محاولة أخرى لإقرار اتفاق الخروج، ثمّ ثالث حول إقرار مذكرة حكومية تقضي بطلب تأجيل موعد الخروج، ثم رابع في إقرار تصويت يدعو إلى تأجيل الخروج، ثم خامس في محاولة إقرار انسحاب انفرادي. وبتاريخ 7/6/2019، استقالت ماي إثر استمرار البرلمان برفض مقترحاتها. ليخلفها النائب اليميني جونسون، الذي يُعدّ من أبرز قادة المعسكر المؤيد للانفصال. إلا أن الأحداث لا تشير، حتى الآن، إلى أن جونسون أوفر حظًا من سلفه. فقد بلغ عدد إخفاقات جونسون مع البرلمان، 7 إخفاقات في غضون شهرين. يضاف إليها ما وصف بأنه "صفعة" وجهتها محكمة العدل العليا له، في قرارها الذي اتخذته بتاريخ 24/9/2019، والقاضي بإلغاء قرار جونسون بتعطيل البرلمان حتى منتصف تشرين الأول 2019.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: النجاح في التوصل إلى اتفاق، وإقناع البرلمان البريطاني بالمصادقة عليه
تتضمن الخطة البريطانية الحالية مقترحًا يقضي ببقاء إيرلندا الشمالية ضمن السوق الأوروبية المشتركة، وهو ما يعدّ تنازلًا من طرف الحكومة البريطانية، بينما يخضع الإقليم للنظام الجمركي البريطاني، أي أن علاقة الإقليم بالاتحاد الأوروبي ستكون مختلفة إلى درجة كبيرة عن علاقة الاتحاد بالمملكة، وذلك لفترة مرحلية يعود أمر تجديدها لبرلمان الإقليم.
مواقف الأحزاب البريطانية
رحّب الحزب الديمقراطي بالخطة، وسبق أن أبرم جونسون اتفاقًا مع الحزب بشأنها، مع أنه كان من أشد المعارضين لأي تمييز لإقليم إيرلندا عن باقي مناطق بريطانيا. كما أعرب حزب ERG المؤيد للانفصال عن دعمه لجهود جونسون على الرغم من تحفظه على الخطة. في المقابل، وصف حزب العمال المعارض الخطة بأنها أسوأ من الاتفاق الذي عرضته ماي، في حين وجه حزب بريكست نقدًا لاذعًا لها.
مواقف صادرة عن الاتحاد الأوروبي
أصدر الاتحاد مؤشرات تفيد بأنه سيبدي مرونة في التعامل مع الخطة. فقد صرح رئيس المفوضية الأوروبية بأنه ليس متمسكًا بمقترح "شبكة الأمان"، وهو المقترح الذي ظل الاتحاد يدافع عنه طيلة الأشهر الماضية. إلا أن تصريحات عدد من المسؤولين الأوروبيين حول المقترحات الأولية (غير الرسمية) التي تقدمت بها الحكومة البريطانية خلال الأسبوعين الماضيين، تشير إلى أن "الفجوة" لا تزال واسعة. فقد صرح رئيس المفوضية الأوروبية أن تلك المقترحات لم تقدم "حلولاً تشغيلية قانونية".
من جهتهما، أعربت كل من فرنسا وألمانيا عن أنهما لا تتوقعان أن تفضي الخطة إلى التوصل لاتفاق.
وبناءً على ما سبق، تبقى احتمالية تحقق هذا السيناريو ضعيفة.
السيناريو الثاني: الخروج دون اتفاق
صادقت ملكة بريطانيا، بتاريخ 17/9/2019، على مشروع قانون يمنع خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، ما يعني أن جونسون أصبح ملزمًا بالحصول على موافقة مجلس العموم قبل اتخاذ قرار الخروج دون اتفاق. وحتى لو لجأ جونسون للتحايل على هذا القانون (الأمر الذي قد يودي به إلى السجن)، فإن الغالبية التي يشكلها معارضو "الخروج دون اتفاق" داخل البرلمان، ستكون قادرة على إسقاط القرار حتى لو اضطروا إلى حجب الثقة عن الحكومة.
إضافة إلى ذلك، فإن الخروج دون اتفاق، من شأنه أن يهدد السلم الأهلي في إيرلندا، الأمر الذي يمكن أن يدفع بالكونغرس الأميركي إلى إعاقة التقارب مع بريطانيا في مرحلة ما بعد الخروج، وهو التقارب الذي يراهن اليمين البريطاني على تعزيزه بعد الانفصال عن أوروبا.
يستند معارضو الخروج دون اتفاق إلى أسباب عدة، من أبرزها آراء خبراء اقتصاديين يتوقعون دخول البلاد في أزمة اقتصادية عميقة، تفوق في حدتها أزمة العام 2008، في حال مغادرة الاتحاد دون اتفاق. ولا تقتصر تداعيات هذا الخيار على بريطانيا وحدها، ذلك أن دول الاتحاد تشترك مع بريطانيا في اتفاقيات تجارية واتفاقيات الطيران وصيد الأسماك واتفاقات تقنية وفضائية وعلمية، بالإضافة إلى وجود 750 اتفاقًا دوليًا وقعها الاتحاد مع شركاء أو دول ثالثة.
هذا السيناريو مستبعد، وسيؤدي تحققه إلى حالة فوضى لا يتوقف أثرها عند حدود القارة الأوروبية، الأمر الذي يدفع كلًا من المجلس الأوروبي، والغالبية البرلمانية في مجلس العموم البريطاني، إلى تفادي خروج من هذا النوع.
السيناريو الثالث: تمديد مهلة الخروج
في حال فشل السيناريوهات السابقة، يتعين على جونسون إرسال رسالة إلى رئيس المجلس الأوروبي يطلب فيها تمديد مهلة الخروج حتى 31 كانون الثاني 2020، ليصبح التأجيل الثالث في مسار الأزمة. وهو ما يتعارض مع التأكيد المستمر لجونسون على حتمية الخروج نهاية تشرين الأول 2019. سيكون بإمكان جونسون إلقاء اللوم على معارضيه في البرلمان، واتهامهم بالتسبب بالتأجيل، لكن ذلك لن يحد من خطورة التأجيل على فرص جونسون في الانتخابات القادمة، حيث سيخسر أصوات معارضي التأجيل من جناح اليمين.
ولكن، إذا ما تم التمديد، دون مؤشرات حول انفراج قريب في الأزمة، فإن ذلك يعني إطالة حالة الضبابية التي تسود المشهد بشكل عام، التي تؤثر سلبًا على أداء الاقتصاد البريطاني.
هذا السيناريو هو الأرجح، وتتعزز احتمالية تحققه بعد موافقة البرلمان الأوروبي، بتاريخ 18/9/2019، وبأغلبية كبيرة، على منح بريطانيا وقتًا إضافيًا للخروج إذا ما طلبت ذلك، خاصة مع دعوة كل من ألمانيا وفرنسا للعمل باتجاه تمديد المهلة، ولمرة واحدة فقط.
السيناريو الرابع: الدعوة إلى انتخابات عامة قبل الموعد المقرر للخروج
تعارض أقطاب المعارضة البريطانية هذا الخيار، خشية أن تؤدي نتيجة الانتخابات إلى منح جونسون أكثرية برلمانيةً تمكنه من الخروج من دون اتفاق، خاصةً أن المعارضة تعيش حالة تشتت وانقسام يمكن أن تؤثر سلبًا على النتائج لصالح جونسون، وهي المخاوف التي تعززها نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة التي تشير إلى تقدم حزب المحافظين.
وإذا ما حصلت الانتخابات، فإمّا أن تؤدي إلى تشكيل حكومة تدعم خطط جونسون حول الخروج سواءً باتفاق أو من دونه، أو إلى فوز المعارضة التي ستلجأ في هذه الحالة إلى تقديم طلب للاتحاد الأوروبي بتأجيل موعد الخروج.
لا يحظى هذا السيناريو بفرص عالية. فالدعوة إلى انتخابات مبكرة تتطلب تأييد ثلثي أعضاء مجلس العموم البالغ عددهم 650 نائبًا، وهي أكثرية لا يحظى بها جونسون.
السيناريو الخامس: إعادة الاستفتاء
يؤيد هذا السيناريو المعسكر الرافض للخروج من الاتحاد من دون اتفاق، ويدعو إلى الاستفتاء على خيارين: البقاء في الاتحاد الأوروبي، أو الخروج دون اتفاق. ويستند أنصار إعادة الاستفتاء إلى الاعتقاد بأن البريطانيين أصبحوا أكثر إدراكًا لمعنى الانسحاب، وتبعات الخروج من دون اتفاق.
وتتعزز احتمالية تحقق هذا السيناريو مع تعقد مسار الأزمة. وفي حال تحقق هذا السيناريو أو الذي قبله، فإن عامل الوقت يفرض على الحكومة تقديم طلب بتأجيل موعد الخروج من الاتحاد.
خاتمة
ينصب اهتمام الاتحاد الأوروبي، بالدرجة الأولى، على الحفاظ على وحدة الدول الـ27 التي يضمها بعد مغادرة بريطانيا، والحد من احتمالية تحول "بريكست" إلى حافز لخروج دول متتالية.

إنّ دراسة جذور الأزمة، في سياق المشاكل الهيكلية التي يعانيها الاتحاد الأوروبي، تفيد بأن أزمة "بريكست" كانت نتيجةً لأزمات الاتحاد، أكثر من كونها سببًا فيها.
بخروج بريطانيا، سيخسر الاتحاد الأوروبي جزءًا غير يسير من ثقله الاقتصادي والسياسي. كما أن ثقل بريطانيا على الساحة الدولية، لن يكون بنفس القدر الذي تحظى به أثناء عضويتها في الاتحاد. وستسعى الحكومات البريطانية اللاحقة لتعزيز التقارب مع الولايات المتحدة، بينما قد تبدي الأخيرة حماسًا أقل بهذا الاتجاه، ذلك أن المملكة المتحدة لن تكون لاعبًا مهمًا في صناعة قرار أوروبا.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news13134.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.