آخر الأخبار :

صعود اليمين في البرلمانات الأوروبية ... فرنسا وألمانيا أنموذجين

مقدمة

أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في خطابها بتاريخ 29/10/2018، استقالتها من رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم، وانسحابها من الحياة السياسية حال انتهاء ولايتها الحالية في العام 2021[1]، وذلك عقب النتائج المخيبة للآمال لحزبها، رغم الفوز في انتخابات برلمان ولاية هيسين، بتاريخ 28/10/2018، الذي سبقه تراجع كبير في برلمان ولاية بافاريا.[2] وفي ظل التراجع التاريخي للحزب الحاكم تقدم حزب اليمين الشعبوي "البديل من أجل ألمانيا" بنتائج تاريخية في الولايتين محققًا دخوله البرلمان بنسبة 12% في هيسين و9.5% في بافاريا.[3]

على صعيد آخر، سبق هذه النتائج صعود يميني مفاجئ آخر في فرنسا في العام 2017، إذ حصل حزب الجبهة الوطنية، بقيادة اليمينية المتطرفة ماريان لوبان، على 8 مقاعد من أصل 577 مقعدًا في أكبر صعود له، إذ لم يحصل على أي مقاعد برلمانية منذ العام 1998، باستثناء مقعدين اثنين في العام 2012 في انتخابات هزمت فيها زعيمة الحزب نفسها.[4]

كما خاضت لوبان الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العام 2018، وحَلَّت في المركز الثاني بفارق ضئيل عن الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون (21.7% مقابل 23.7%)[5]، في حين حصلت في جولة الإعادة على ما يقارب 34% من الأصوات.[6]

فرنسا وألمانيا من الدول الأكثر استقبالًا للاجئين، وللتنوع العرقي والديني، وهما بحاجة إلى جرعة كبيرة من الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي حتى تستطيعا الحفاظ على النسيج المدني للدولة، فضلًا عن تأثيرهما الكبير على المحيط لمكانتهما التاريخية والسياسية، لذلك فإن نجاح اليمين المتطرف قد يزعزع الاستقرار، وتنتقل آثاره إلى دول أوروبية أخرى.

مؤشرات صعود اليمين في أوروبا

لم تعد الأحزاب اليمينية في أوروبا مجرد أحزاب تقليدية صغيرة، تتبنى أفكارًا شعبوية منغلقة ضد الانفتاح الليبرالي الواسع في المجتمع السياسي الأوروبي بعد انتهاء الحرب الباردة، بل أصبحت ظاهرة صعود مقلقة على مستوى أوروبا والعالم.

تتقدم هذه الأحزاب في السلم السياسي الأوروبي، وتزداد حدة منافستها تدريجيًا، محققةً تَقدُّمًا وإن كان بطيئًا على المدى القريب، لكنه مقلق على المدى البعيد، إذ يحصد اليمين اليوم مواقع متقدمة وقدم مرشحين في انتخابات الرئاسة جاؤوا في المركز الثاني في فرنسا والنمسا.[7]

تفاوتت نسب التصويت للأحزاب اليمينية القومية في البرلمانات الأوروبية، إذ وصلت في بعض الدول إلى مستويات تاريخية محققة أكثر من 20% من حجم الأصوات، مثل السويد والنمسا والدنمارك.[8]

يشكل هذا التقدم الكبير لليمين الأوروبي اختبارًا قويًا في المرحلة القادمة على مدى صمود المجتمع الأوروبي المنفتح، الذي بُني بعد الحرب العالمية الثانية، واستكملت لبناته بانهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة، أمام الانغلاق اليميني والتقوقع القومي الذي يسعى اليمين لتحقيقه، بحجة الحفاظ على المكتسبات الوطنية للدول والأفراد.

صعود اليمين في ألمانيا وفرنسا

لم يكن الصعود الكبير لليمين في ألمانيا وفرنسا وليد اللحظة أو صدفة، إنما كان نتيجة تكامل لعوامل عديدة طرأت على المستويين المحلي والدولي، مهدت لوجود بيئة فكرية خصبة للأحزاب اليمينية، يمكن من خلالها أن تقدم نفسها كبديل للمجتمعات التي ظهرت فيها.

يشكل العامل الاقتصادي سببًا أساسيًا في ظهور التيارات اليمينية، فهذه التيارات تجيد تقديم نفسها في حالات عدم الاستقرار، وشكلت الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة في العام 2008 اضطرابًا كبيرًا، ما فتح المجال أمام الموجة الجديدة من المد اليميني.[9]

في بحث لمركز الدراسات الاقتصادية في جامعة "لودفيغ ماكسميليان" الألمانية لمائة أزمة اقتصادية خلال المدة (1870-2014)، في 20 دولة ديمقراطية حول العالم، كانت الأحزاب اليمينية المستفيدَ الأول من حالة عدم الاستقرار بعد الأزمات، كما كانت تزيد نسبة الأصوات التي تحصل عليها بأكثر من 30%.[10]

يتكامل العامل الاقتصادي مع عوامل أخرى تشكل ركيزة الخطاب اليميني في أوروبا بشكل عام، وألمانيا وفرنسا بشكل خاص، وتحديدًا ظاهرتي الهجرة بأشكالها الشرعية وغير الشرعية والإرهاب، ليقدم نفسه بديلًا مدافعًا عن البلدان من الأخطار الخارجية.

يسعى اليمين إلى الحد من الهجرة وإنهاء ظاهرتها، خاصة بعد التدفق الكبير للاجئين في السنوات الأخيرة إلى أوروبا بشكل خاص، وإلى ألمانيا وفرنسا بشكل عام.[11]

يرى اليمين أن المهاجرين يشكلون خطرًا على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وذلك في ضوء وجود 16.3 مليون أوروبي عاطل عن العمل في ظل إجراءات التقشف ومحاولات التعافي منذ الأزمة الاقتصادية.[12] ويعتقد أن تكاليف المهاجرين وإقامتهم، وما يترتب عليها من إنفاق في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات وتوفير الوظائف، تأتي على حساب المواطنين، بالإضافة إلى أن دخول الجماعات الثقافية والدينية كمهاجرين ولاجئين، يهدد المظهر الاجتماعي للبلدان وثقافتها عند ممارستهم لشعائرهم وتعبيرهم عن هويتهم في إطار الحرية الممنوحة لهم.[13]

كما يُعد انتشار ظاهرة الإرهاب عالميًا، وتأثر أوروبا بها، بما في ذلك فرنسا وألمانيا ودول أخرى خلال السنوات الأخيرة، مرتبطًا بحركة اللاجئين، الذين تورط أفراد منهم في هذه العمليات، وهو ما بات أداة في الخطاب اليميني ضد المهاجرين والانفتاح.[14]

سلوك اليمين في ألمانيا وفرنسا

تسعى أحزاب اليمين في الدولتين إلى خلق كينونة خاصة، تجعل الدول تعيش في معزل عن المحيط السياسي والاقتصادي العام أوروبيًا ودوليًا، وبحيث لا يحدث التواصل مع المحيط إلا وفقًا لرؤيتهم، وبجعل أهدافهم المحلية ذات أولوية على الاعتبارات الإقليمية.

لذلك دعت ماريان لوبان في العام 2016 إلى خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي عقب التصويت البريطاني على الخروج من الاتحاد وإعادة النظر في اتفاقياته، ورأت الخطوة البريطانية في الاتجاه الصحيح من أجل التحرر من قيود الاتحاد الأوروبي.[15] وكانت قبلها بعام قد شكلت تحالفًا يمينيًا داخل برلمان الاتحاد الأوروبي لأحزاب اليمين في الاتحاد باسم تحالف "أوروبا الأمم والحريات"، من أجل توحيد التوجهات والأفكار اليمينية داخل دول الاتحاد الأوروبي، والضغط لتعديل قوانينه واتفاقياته.[16]

كما طالبت بالحد من المهاجرين إلى أقصى درجة، وتقليل إعاناتهم، وتهجير من يمكن تهجيره منهم، والحفاظ على الموروث الثقافي الفرنسي، لأن الهجرة والتعددية الثقافية المفروضة من الاتحاد الأوروبي ستدمر المجتمع الفرنسي وستقود إلى حرب أهلية.[17]

أما في ألمانيا التي انتهجت سياسة الباب المفتوح في ذروة تدفق اللاجئين والحوادث الإرهابية التي شهدتها، فربما تكون هذه السياسة قد ساعدت على تحقيق اليمين لمفاجآت انتخابية لأول مرة منذ عقود طويلة، حيث كان سلوك اليمين متطرفًا على الصعيدين السياسي والميداني. فقد استطاع حزب البديل من أجل ألمانيا تحقيق نتائج انتخابية مهمة جعلته في سدة المعارضة، وعلى الرغم من كون الحزب قد نشأ بالأساس عن حملة مناهضة للعملة الأوروبية الموحدة في العام 2013[18]، ولم يستطع حينها تحقيق أي مقاعد انتخابية، فقد نجح بقوة في الانتخابات الأخيرة بعد تبنيه الخطاب المناهض للهجرة وتدفق اللاجئين.[19]

تتركز سياسة حزب البديل اليوم على رفض اللجوء ولم الشمل، وجعله انتقائيًا حسب حاجة الدولة، ومهاجمة الإسلام كونه لا ينتمي إلى ألمانيا، ومنع التعددية الثقافية كونها مهددة لوجه ألمانيا الغربي، إضافة إلى إمكانية الخروج من الاتحاد الأوروبي.[20]

صَوَّتَ الحزب في كانون الثاني 2019 في إطار استعداداته لانتخابات البرلمان الأوروبي في أيار 2019 مايولعمل حملة من أجل إجراء إعادة تشكيل للاتحاد في إطار زمني محدد، بما يتماشى مع أفكاره، أو الدعوة إلى خروج ألمانيا من الاتحاد في غضون سنوات قليلة.[21]

أما على المستوى الميداني، ولوجود تحريض سياسي غير مسبوق تجاه المهاجرين، فقد شهدت ألمانيا اعتداءات عليهم بالآلاف كل عام، فقد وصلت ذروة الاعتداءات في العام 2016 بواقع 3500 جريمة ضد اللاجئين، وتراجعت إلى 2200 في العام 2017، وتستمر في التراجع.[22]

تراجعت الاعتداءات عقب رضوخ ميركل لمطالب اليمين بوقف سياسة الباب المفتوح، وإعادة التحقق في طلبات اللجوء حتى التي تم قبولها مسبقًا[23]، وبسبب تشديد السلطات الأمنية قبضتها على المجموعات والخلايا المنظمة التي كانت تهاجم تجمعات اللاجئين تحت اسم "مجموعات الدفاع المدني"، أو حتى على الأشخاص المعتدِين بصورة فردية.[24]

هل سينجح اليمين الانعزالي في السيطرة على أوروبا؟

على الرغم من التقدم الملحوظ لليمين الانعزالي، لا تزال الإجابة عن هذا السؤال معلقة وقيد الانتظار. فقد نجح اليمين من خلال سياسته استغلال حالة عدم الاستقرار التي سادت العالم بعد الأزمة الاقتصادية العالمية، وموجات اللجوء والإرهاب الدولي بعد قمع ثورات الربيع العربي، أن يقدم نفسه درعًا حاميًا للمجتمعات الأوروبية من تغول الثقافة الغازية.

تكمن خطورة صعود اليمين في ألمانيا وفرنسا كونهما دولتين مدافعتين بشدة عن الحقوق والحريات للشعوب، وتتباهى دولة مثل فرنسا بتصدير قيم الحرية والتعبير عبر مبادئ الثورة الفرنسية. وتواجهان اليوم تحديات صعود اليمين الذي يحمل توجهات ضيقة تجاه الحريات والتعددية، التي أصبحت مهددة في ظل نمو شعبوية منغلقة في ظروف تشبه حال الشد والتأطير التي رافقت مرحلة الكساد العظيم وأنتجت النازية والفاشية في أوروبا.

لا يزال اليمين في مرحلة من التنظير يعتمد فيها على إحراج التيارات الليبرالية واليسارية، ليقدم نفسه بديلًا، لعجزها عن إيجاد الحلول التي لم يعرف بعد إن كان سينجح في تقديمها أم لا طالما بقي خارج منظومة الحكم. فمثلًا في حال فاز حزب البديل في ألمانيا، وأراد تطبيق سياسته التي لا ترى الإسلام جزءًا من الهوية الألمانية، فما مدى التمييز والتضييق الذي سيأخذه بحق 5 مليون مسلم يشكلون أكثر من 6% من المجتمع[25]، وما الأزمات التي سيخلقها مع باقي الأقليات بشكل مخالف للدستور؟

كذلك الأمر في فرنسا، فإن النزاع الاجتماعي الذي تخشى منه الجبهة الوطنية بسبب التعددية الثقافية، ستخلقها الجبهة نفسها في حال استلمت الحكمم، رفضها المطلق للتنوع الثقافي والعرقي، وستجد نفسها في مرحلة ما في صدام ليس فقط مع الأقليات، وإنما مع قيم الثورة والدستور الفرنسيين اللذين يشكلان أساس الصورة النمطية للمجتمع الفرنسي ذي القيم الإنسانية.

إن عوامل النجاح التي زادت من شريحة اليمين الانتخابية ودعمته ليحقق تلك النتائج التاريخية له، ستبقى موجودة على الأقل في السنوات القليلة القادمة. فمشاكل اللاجئين وأعدادهم، والنظر في طلباتهم، يحتاج إلى سنوات، والثقل الاقتصادي المترتب على ذلك يرهق الحكومات، خاصة في الحالة الفرنسية التي تعاني من أزمات اقتصادية واحتجاجات.[26] وهذه البيئة مناسبة لاستمرار التنظير اليميني، وتزيد من احتمالية صعوده برلمانيًا.

خاتمة

ستكون تجربة صعود اليمين في ألمانيا وفرنسا اختبارًا على مدى جدية هذه الأحزاب في تنفيذ برامجها، وقدرتها على تقديم نفسها كبديل للتيارات الحزبية الحاكمة، ومدى نجاح التجربة في دولتين من أكبر اللاعبين السياسيين والاقتصاديين أوروبيًا وعالميًا. كما ستكون لها انعكاسات مهمة على مستقبل الدول في أوروبا، من خلال علاقتها داخل الاتحاد الأوروبي أو خارجه.

سيكرس اليمين سعيه لانتزاع المزيد من الإجراءات الداخلية في الدول التي سيستمر ويكبر نجاحه فيها ضد المهاجرين والأقليات، وتعزيز التفرد الثقافي والاجتماعي داخل المجتمعات الأوروبية بنفس الطريقة التي صعد فيها منذ البداية. أما على المدى البعيد، فسيتجه نحو تغيير هيكلية بنية الاتحاد الأوروبي، أو تفكيكه، بما يتناسب مع تطلعاته المتفردة للدول وسياساتها القومية المتشددة، للحفاظ على الهوية السياسية والاجتماعية، وعلى اقتصاد داخلي بعيد عن السوق المشتركة والعملة الموحدة.

في مرحلة ما من هوس الدفاع عن الهوية والمجتمع، سيلجأ اليمين إلى مزيد من الإجراءات المتشددة في إعادة صياغة مفهوم الوطنية والمواطن، والحقوق المدنية والسياسية للأقليات الثقافية والعرقية داخل البلدان، وستكون العنصرية والتمييز الدستوري هما السمة المشتركة لوجه أوروبا اليمينية، لو قيّض لهذه الأحزب الاستمرار في الصعود.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news10746.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.