آخر الأخبار :

العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير والتحول إلى الدولة

مقدمة

مع حصول فلسطين على العضوية الدائمة المراقبة في الأمم المتحدة في العام 2012، تجدد سؤال العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية الفلسطينية، وأضيف إليه سؤال العلاقة مع الدولة. وتجدد السؤال في العام 2018، مع انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مع رفع هذه الاجتماعات لشعار التحول من السلطة إلى الدولة، وإعادة النظر في العلاقات مع الجانب الإسرائيلي.[1]

أثبتت هذه الاجتماعات مدى عمق الإشكالية التي تعيشها الحالة الفلسطينية من حيث ازدواج الصلاحيات والمهام بين السلطة والمنظمة، وهو سؤال يحتاج إلى إجابة واضحة قبل الانتقال إلى مرحلة تجسيد الدولة.

نشأة السلطة الوطنية الفلسطينية

نشأت السلطة الوطنية بقرار من منظمة التحرير بموجب قرار المجلس المركزي في دورته التي انعقدت في تونس العام 1993[2]، ومنذ إعلان تشكيلها رسميًا وتوليها لمهامها في الضفة الغربية وقطاع غزة، بدأت تظهر علاقة إشكالية بينها وبين منظمة التحرير، وبدأ التداخل بينهما بصورة تدريجية.

تعد منظمة التحرير[3] التجسيد الذي يمثل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وهذا ثبت في القانون الأساسي الفلسطيني للعام 2003 الذي جاء في مقدمته أن "منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني أينما وجد".[4]

بدا للكثيرين بعد توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 أن منظمة التحرير قطعت خطوات مهمة للوصول إلى إقامة الدولة الفلسطينية، وأن كل من المنظمة والسلطة أوشكتا على أن تشكلا دولة، وقد عبّر عن هذا الاتجاه الرئيس محمود عباس، أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة آنذاك، بقوله "إن الانسحاب الإسرائيلي من "غزة وأريحا أولًا" سيقود إلى انسحاب شامل من جميع الأراضي المحتلة العام 1967، وأن الكيان الفلسطيني القادم سيفضي حتمًا إلى دولة فلسطينية ذات سيادة".[5]

أثناء النقاشات داخل المنظمة حول الأسس التي سيتم بموجبها تشكيل مجلس سلطة وتوضيح دور الدولة بعد قيام السلطة، أظهر البعض تخوفه من الاندماج بين المنظمة والسلطة، ودعا الى الفصل بينهما من حيث تحديد المهام والتشكيل، وضرورة تقليص عدد أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة في مجلس السلطة - إن كان لا بد من مشاركتهم - وعلى ألا يتولى رئيس اللجنة التنفيذية رئاسة السلطة، لكي يحافظ على ثقله السياسي والمعنوي في إطار المنظمة، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إلا أن اللجنة التنفيذية دعت لعدم الفصل حتى صدر قرار المجلس المركزي في دورته التي عقدت في تونس بتاريخ 10-12/10/1993[6]، لصالح وجهة نظر اللجنة التنفيذية، وقرر تكليف الأخيرة بتشكيل مجلس السلطة من عدد من أعضائها، وعدد من الداخل والخارج، وأن يترأسها رئيس اللجنة التنفيذية آنذاك ياسر عرفات.[7]

إشكالية العلاقة بين المنظمة والسلطة بعد اجتماعات المجالس الأخيرة

عانت المنظمة من أزمات قبل نشوء السلطة، إلا أن ميلاد السلطة خلق إشكالية إضافية للمنظمة، خاصة لعدم وجود نص قانوني واضح يوفق بين احتياجات السلطة للقيام ببناء مؤسساتها وبين الحفاظ على منظمة التحرير ودورها الوطني كممثل للشعب الفلسطيني، حيث انتقلت المركزية الشديدة التي اتسمت بها قيادة المنظمة في ظل تراجـع دور قـوى المعارضة إلى بنية السلطة.[8]

على الرغم من إصرار المنظمة على التنبه بتبعية السلطة لها قانونيًا وسياسيًا إلا أن السلطة عملت باستقلالية عن المنظمة، وأخذت كثيرًا من صلاحياتها، ويظهر ذلك في التداخل في الصلاحيات بين المجلسين المركزي والوطني مع المجلس التشريعي في التعديل والتغيير في الأوضاع الإدارية لموظفي المنظمة بالتشريع لهم على بعض الحقوق والالتزامات في السلطة[9]، وفي مصادقة الرئيس على القانون الأساسي والقوانين التي يُصدِرها المجلس التشريعي، بصفته رئيسًا للسلطة والمنظمة.[10] وكذلك تضمنت ديباجة التشريعات أسماء تشريعات للمنظمة، مثل التشريعات الجزائية للمنظمة للعام 1979.

كما جعل القانون الأساسي في المادة (40) تعيين "ممثلي السلطة الوطنية لدى الدول والمنظمات الدولية والهيئات الأجنبية وإنهاء مهامهم" من اختصاص رئيس السلطة[11]، كما منحه تعيين السفراء وفقًا لقانون السلك الديبلوماسي رقم 13 للعام 2005، فضلًا عن أن المادة (3) منه قد منحت وزارة الشؤون الخارجية "تمثيل فلسطين خارجيًا وتعزيز العلاقات الفلسطينية مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية عربيًا وإسلاميًا ودوليًا"[12]. وهذا تعد على صلاحيات الدائرة السياسية للمنظمة لوجود مادة من نظام الموظفين الأساسي للمنظمة وهي المادة (63/أ) جعلت من صلاحيات رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس الدائرة السياسية للمنظمة قرار تعيين مكاتب المنظمة.

أدت ازدواجية منصب رئيس السلطة مع رئيس منظمة التحرير[13]، ودمج مؤسسات السلطة (جيش التحرير، قوات الأمن، جهاز القضاء الثوري، هيئة القضاء العسكري) مـع مؤسسات المنظمة، وتشابه المؤسسات التي أنشأتها السلطة مع مؤسسات المنظمة كلجنة المفاوضات، التي أنشأها رئيس السلطة بموجب مرسوم رئاسي رقم (6) العام 2006؛ إلى تراجع دور المنظمة وبرنامجها الوطني الذي يمثل المصالح الوطنيـة للشـعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده، إضافة الى استيعاب الكوادر والقيادات الأولى للسفارات والمنظمات والاتحادات الشعبية في وظائف رسمية للسلطة وأجهزتها، مع احتفاظهم بمسمياتهم السابقة، مما أضعفها وحولها إلى هياكل خاوية، ومنع تفعيل قواعدها الشعبية في الدفاع عن قضاياها المهنية والوطنية.

جاء اهتمام القيادة بالسلطة على حساب المنظمة وسعت إلى تعزيز نفوذها محليـًا ودوليـًا علـى حسـابها، ويستدل بذلك من خلال مؤشرات عدة، منها أن خطة "خارطة الطريق" التي صاغتها اللجنة الرباعية الدولية تم تسليمها إلى رئيس وزراء السلطة، واستحداث منصب وزير شؤون المفاوضات، وكذلك منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بدلاً من منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي، ما أدى إلى تهميش الدائرة السياسية للمنظمة، وظهر ذلك في الخلاف مع فاروق القدومي، رئيس الدائرة السياسية السابق، إذ حذّر "من المس بالدائرة السياسية أو الإساءة لعامليها"، وقال "نأمل بألا يقترب أحد أو يمس الدائرة السياسية أو الإساءة للعاملين فيها، وإلا ستشتعل حمية الخلافات، فلكم دينكم ولنا دين".[14]

تأزمت العلاقة أكثر مع حدوث الانقسام، بدءًا من الانتخابات التشريعية في العام 2006، إذ اتخذ الرئيس محمود عباس قرارات متعلقة باستحداث منصب أمين عام المجلس التشريعي من خارج عضوية المجلس، وتعبئة الشواغر في الوظيفة العمومية، ونقل مسؤولية الأمن والعديد من الهيئات العامة كاملة للرئيس ... وغيرها، وعرضها على المجلس التشريعي المنتهية ولايته بتاريخ 13/2/2006، وقد أقرّها.

في المقابل، اعترضت حركة المقاومة الإسلامية(حماس) على ذلك، وألغت كافة القرارات في أول جلسة للمجلس المنتخب بتاريخ 6/3/2006.

وامتد الصراع حتى أصبح صراعًا جغرافيًا، وأعلن بعدها الرئيس عباس حالة الطوارئ، وعلق عمل القانون الأساسي الفلسطيني، وخاصة البنود التي تتعلق بتشكيل الحكومة، وأقال حكومة اسماعيل هنية، وكلف سلام فياض بتشكيل حكومة طوارئ.[15]

بعد حدوث الانقسام، أصدر الرئيس عباس قرارات قانونية، في كل المجالات، في ظل حالة المجلس التشريعي، محتجًا بالمادة (43) من القانون الأساسي التي تنص على "لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون". في المقابل، واصلت كتلة "حماس" البرلمانية، عقد المجلس التشريعي، ورفضت الإقالة بعد أن قامت بسد العجز في النصاب القانوني للجلسات من خلال الحصول على توكيلات من نوابها، وأصدرت بدورها الكثير من القوانين. هذا الأمر شلّ السلطة التشريعية، وكشف عن خلل النظام القانوني للسلطة، وخاصة عندما واجهت السلطة استحقاق انتهاء ولاية الرئيس في العام 2009، ولاية السلطة التشريعية في العام 2010، ولم تجد نصًا قانونيًا يغطي هذا العيب.

قرر المجلس المركزي تمديد ولاية الرئيس عباس بموجب قرار اتخذه بتاريخ 16/12/2009، ومدد أيضًا "ولاية التشريعي"[16]؛ ذلك لحل أزمة شرعية مؤسسات السلطة، في حين ردت "حماس" بأن المجلس المركزي هيئة غير شرعية وقراراته غير ملزمة، وأكدت أن ولاية الرئيس منتهية، والقرارات التي تصدر عنه باطلة.[17]

عادت اجتماعات المجلسين الوطني والمركزي بقرارات أزّمت العلاقة أكثر، فقد قرر المجلس الوطني في دورته الثالثة والعشرين، المنعقدة بتاريخ 30 نيسان – 3 أيار 2018 "تفويض المجلس المركزي لمنظمة التحرير بكافة صلاحياته بين دورتي انعقاده، بهدف تعزيز وتفعيل دور المنظمة وتطوير الأداء والقدرة على التحرك ومواجهة متطلبات مرحلة تتعاظم فيها التحديات".[18] الأمر الذي أعطى انطباعًا بدور برلماني تشريعي أكبر للمجلس المركزي، ما يثير التساؤل عن دور المجلس التشريعي في هذه الحالة.

وأصدر المجلس المركزي في دورته الأخيرة المنعقدة برام الله بتاريخ 28-29/10/2018، قرارًا يؤكد "الانتقال من مرحلة سلطة الحكم الذاتي إلى مرحلة تجسيد الدولة"[19]، وعزز هذا الأسئلة التي طرحت بعد الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو بالأمم المتحدة، حول العلاقة بين المنظمة والسلطة والدولة.

أصدر الرئيس عباس مرسومين رئاسيين (2، 3) في العام 2013 [20] بتغيير صفته من رئيس سلطة إلى رئيس دولة فلسطين، مع الاحتفاظ برئاسة اللجنة التنفيذية للمنظمة، أي أنه فقط استغنى عن مسمى رئاسة السلطة الوطنية، في المخاطبات الرسمية، وقد جاء هذا الأمر موافقًا لقرار المجلس المركزي الذي عينه بهذه الصفة. ولكن مثل هذا القرار لا يحسم طبيعة العلاقة بين المكونات الثلاث: المنظمة، والدولة، والسلطة.

إن عدم حسم العلاقات وتنظيمها يؤدي إلى خلق صراع، فوجود دولة بسلطات وبرلمانات وسفارت يبرر عدم وجود المنظمة، ويثير إشكالية حسم مسألة التزامات المنظمة وواجباتها وفقًا للقانون الدولي، فلا بد من الحذر من ممارسات الدولة على مكانة المنظمة، لا سيما أن استمرار المنظمة محكوم بتحديد العلاقة بينهما، الذي من شأنه لجم أي إشكالية ممكن أن تحدث.

قرر المجلس المركزي في دورته التاسعة والعشرين، المنعقدة برام الله بتاريخ 15-17/2018، "تشكيل لجنة عليا لتفعيل وتطوير دوائر منظمة التحرير الفلسطينية، والحفاظ على استقلاليتها"[21]، وهو ما يعكس قلقًا بهذا الشأن، وخصوصًا موضوع الاستقلالية التي تتضمن من بين أمور أخرى تداخل الوضع الوظيفي بين السلطة والمنظمة.

كما قرر المجلس المركزي في البيان الختامي لاجتماعه الأخير "يتولى السيد الرئيس محمود عباس وأعضاء اللجنة التنفيذية الاستمرار في تنفيذ قرارات المجلس الوطني والمجلس المركزي كافة، واتخاذ الخطوات العملية وفق الأولويات المناسبة وبما يعزز صمود شعبنا ويحافظ على مصالحه الوطنية العليا، وكذلك "يتولى السيد الرئيس أبو مازن تشكيل لجنة وطنية عليا لهذا الغرض".

يعكس هذا القرار معضلة التنفيذ في قرارات منظمة التحرير، فالمنظمة نفسها لم تعد تمتلك القدرة أو آليات واضحة وعملية لتنفيذ قراراتها، واللجنة الوطنية العليا، التي ضمت قيادات تنفيذية من السلطة الفلسطينية، تعكس حالة عدم وجود آلية أو إطار أو نصوص تربط المنظمة وقراراتها بالسلطة، أو بعملية التنفيذ على الأرض. وقد أعلن الرئيس عباس عن حل المجلس التشريعي، بموجب قرار من المحكمة الدستورية، بحضور هذه اللجنة، بتاريخ 22/12/2018.

خاتمة

ما سبق يوضح أن هناك مؤشرات على الفجوة بين السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، والمزيد من هيمنة دور السلطة والرئيس على المنظمة، وهو ما يتعزز، سواء عبر قرار المجلس الوطني بتكليف صلاحياته للمجلس المركزي، أو بموجب "اللجنة الوطنية العليا" التي شكلها الرئيس، بقرار من المجلس المركزي، التي تضيف إطارًا جديدًا دون مهام واضحة، ما يزيد من التشوش ونقص النصوص المنظمة للعلاقات بين السلطة والدولة والمنظمة في فسلطين.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://pn-news.com/news10365.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.